Erbil 28°C الخميس 28 أيار 19:10

كل الحيوانات ساهمت… لكن الغنيمة كانت للخنازير وحدها

قراءة أورويلية في العراق بعد 2003 مستوحاة من Animal Farm للكاتب George Orwell

حين كتب جورج أورويل روايته الساخرة "مزرعة الحيوانات"، لم يكن يكتب عن الحيوانات بقدر ما كان يكتب عن الإنسان حين يسكر بالسلطة. كان يعرف أن الثورات لا تسقط الطغيان دائماً، بل كثيراً ما تعيد تدويره بلغة جديدة وشعارات أكثر بريقاً. فالديكتاتور حين يسقط لا يموت بالضرورة، بل قد يتحول إلى عقلية كامنة داخل المنتصرين أنفسهم، تنتظر لحظة الاستحواذ على الحظيرة كي ترتدي ثياب الفضيلة وتمارس القمع باسم الخلاص.

العراق بعد 2003 كان أقرب ما يكون إلى تلك المزرعة الأورويلية. سقط "السيد جونز" العراقي، وخرجت الجماهير من عقود الخوف والحروب والحصار وهي تحلم بدولة عدالة ومواطنة ومؤسسات. ظن الناس أن أبواب التاريخ فُتحت أخيراً، وأن زمن المواطن المهان انتهى، وأن الدولة القادمة ستكون وطناً لا سجناً كبيراً. لكن المشكلة التي لم ينتبه لها أحد هي أن الطغيان لا يعيش في القصور فقط، بل قد يسكن أيضاً داخل الأحزاب، والشعارات، والمنابر، وحتى داخل الضحايا أنفسهم.

في البداية كان المشهد مهيباً؛ الجميع يتحدث عن الحرية، عن المظلومية، عن الديمقراطية، عن حقوق المكونات، وعن العراق الجديد. كانت الكلمات كبيرة إلى درجة جعلت الناس ينسون السؤال الأهم: من سيدير هذه الحرية؟ ومن سيراقب الحراس الجدد؟ ومن سيمنع الثوار من التحول إلى ملاكٍ جدد للمزرعة؟

في رواية أورويل، لم تستولِ الخنازير على السلطة بالقوة منذ اللحظة الأولى، بل فعلت ذلك بالتدريج. كانت أكثر تنظيماً، وأكثر دهاءً، والأهم من ذلك أنها احتكرت تفسير الثورة. لم تقل للحيوانات: "نحن سادتكم الجدد"، بل قالت: "نحن فقط نفكر نيابة عنكم.. نحن نحمي الثورة.. نحن نفهم المؤامرات.. نحن نعرف ما لا تعرفونه". وهكذا، وباسم حماية المزرعة، بدأت المزرعة تُسرق.

وهذا بالضبط ما حدث في العراق. فبعد سقوط النظام، ظهرت طبقة سياسية جديدة قدمت نفسها بوصفها الممثل الشرعي للضحايا والتاريخ والطائفة والمقاومة والمعارضة. كانت تمتلك خطاباً عاطفياً هائلاً، مشبعاً بالمظلومية والرموز والشعارات المقدسة، الأمر الذي جعل نقدها يبدو وكأنه خيانة أخلاقية أو عودة إلى الماضي. وهنا بدأت أخطر عملية سياسية في تاريخ العراق الحديث: تحويل القداسة إلى أداة حكم، وتحويل الألم التاريخي إلى رأسمال سياسي دائم.

كل الحيوانات ساهمت في إسقاط الحظيرة القديمة؛ الفقير، الجندي، الأرملة، المثقف، المعارض، المنفي، وحتى البسطاء الذين صدقوا أن العراق سيولد من جديد. لكن حين جاءت لحظة اقتسام الغنيمة، اكتشف الجميع أن بعض الحيوانات فقط كانت تجلس قرب مخازن الطعام.

شيئاً فشيئاً، بدأت الطبقة الجديدة تبني "أرستقراطية ما بعد الثورة". لم تعد الدولة مؤسسة عامة، بل تحولت إلى شبكة حصص وغنائم؛ الوزارة لهذه الجهة، الهيئة لتلك، العقود لهذا الحزب، المناصب لهذا الفصيل، النفط لهذا التحالف، والمواطن يُرمى له شعار وطني كل أربع سنوات كي يعود إلى الصندوق مثل حيوان مطيع ينتخب جلاده بيده.

في مزرعة أورويل، كانت الخنازير تقنع الجميع بأن الحليب والتفاح يجب أن يذهبا لها وحدها لأنها "تفكر أكثر". وفي العراق، ظهرت النسخة الحديثة من النظرية نفسها: الامتيازات ضرورة وطنية، الحمايات ضرورة أمنية، الرواتب الفلكية استحقاق سياسي، الفساد مجرد "أخطاء مرحلة"، والسرقات الضخمة تُسمى "تسويات".

ومع الوقت، لم تعد الأحزاب تحتاج إلى إخفاء التناقض بين الشعارات والواقع؛ لأن الجماهير نفسها أُنهكت. فالإنسان الذي يعيش وسط الفوضى اليومية يبدأ بالتكيف مع العبث؛ يضحك على الفساد بدلاً من مقاومته، ويسخر من الدولة بدلاً من المطالبة بإصلاحها، ويصبح الوطن بالنسبة له مجرد مكان مؤقت للهروب أو النجاة الفردية. وهنا ينتصر النظام الحقيقي: حين يتحول الخراب إلى شيء طبيعي.

أورويل كان عبقرياً لأنه فهم أن الاستبداد الجديد لا يأتي دائماً بالدبابة، بل قد يأتي عبر اللغة. اللغة هي أخطر أسلحة السلطة؛ ففي المزرعة كانت القوانين تُعدّل ليلاً، والشعارات تُحرّف، والذاكرة تُعاد كتابتها حتى تصبح الأكاذيب حقائق رسمية. والعراق بعد 2003 عاش هذه اللعبة بامتياز؛ فالفساد أصبح "توافقاً"، والمحاصصة "توازناً وطنياً"، والميليشيا "جهة ساندة"، وانهيار الدولة "تعقيدات مرحلة انتقالية"، وسرقة القرن مجرد خبر عابر يختفي بعد أيام تحت ضجيج خطاب جديد.

حتى فكرة الوطنية نفسها تعرضت للتفكيك؛ صار العراقي يُعرَّف بوصفه تابعاً لهوية فرعية قبل أن يكون مواطناً. وهكذا نجحت المنظومة الجديدة في إعادة إنتاج المجتمع على هيئة جماعات خائفة من بعضها، لأن الجماهير المتفرقة أسهل في السيطرة من شعب موحد يدرك أن الجميع يُنهبون بالطريقة نفسها.

والأشد سخرية أن بعض القوى التي جاءت لتقاتل الديكتاتورية، انتهت وهي تعيد إنتاجها بأدوات مختلفة. ففي السابق كان الخوف من رجل واحد، أما الآن فالخوف موزع بين أحزاب وسلاح ونفوذ واقتصاد ظل وتحالفات معقدة. تحولت الدولة إلى كائن هجين؛ نصفها مؤسسات ونصفها مزارع خاصة. الوزير يتحدث عن الإصلاح بينما حزبه يبتلع العقود، والنائب يصرخ ضد الفساد فيما أقاربه يديرون شبكات المنافع، والخطاب الأخلاقي يرتفع كلما ازداد الانهيار الأخلاقي في الواقع.

في النهاية، تصل المزرعة إلى لحظتها الأورويلية الكبرى: حين تنظر الحيوانات عبر النافذة فلا تستطيع التفريق بين الخنازير والبشر. وهنا تكمن مأساة العراق الحديثة؛ فالناس لم يعودوا يسألون من يحكم، بل يسألون فقط: أيهم أقل ضرراً؟ لقد انهار الحلم الكبير وتحولت الديمقراطية، في وعي كثيرين، من مشروع لبناء الدولة إلى موسم دوري لتبديل الوجوه داخل الحظيرة نفسها.

لكن أخطر ما في "دولة الغنيمة" ليس الفساد المالي وحده، بل تحطيم المعنى الأخلاقي للدولة. حين يفقد المواطن ثقته بالقانون، وبالقضاء، وبالنخب، وبفكرة العدالة نفسها، تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل حتى لو بقيت أعلامها ومؤسساتها قائمة. فالانهيار الحقيقي لا يبدأ بسقوط الجدران، بل بسقوط الإيمان العام بأن هناك وطناً يستحق الدفاع عنه.

ولهذا تبدو رواية أورويل وكأنها لم تُكتب عن مزرعة بعيدة، بل عن كل بلد تتحول فيه الثورة إلى شركة مغلقة، والشعارات إلى تجارة، والمظلومية إلى سلطة، والديمقراطية إلى سوق لتوزيع الغنائم.

لقد ساهم الجميع في إسقاط الحظيرة القديمة، لكن حين فُتحت أبواب المخزن، اكتشفت الحيوانات متأخرة أن الخنازير وحدها كانت تملك المفاتيح.

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.