برغم مرور أكثر من عقد من الزمن على فاجعة احتلال نينوى من قبل تنظيم داعش الإرهابي، ما زالت تلك الأحداث الأليمة حاضرة في وجدان أبناء المحافظة والعراقيين جميعاً، لما خلفته من مآسٍ إنسانية وخسائر جسيمة طالت الإنسان والأرض والحضارة. ففي تلك الأيام العصيبة، تعرضت الموصل ونينوى إلى واحدة من أخطر الكوارث في تاريخ العراق الحديث، حيث استهدفت حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم، ودُمّرت معالم تاريخية وأثرية وثقافية عريقة في محاولة لطمس هوية المدينة وإرثها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين.
لقد تركت تلك المرحلة آثاراً عميقة في نفوس أبناء نينوى، إذ عانت آلاف العائلات من التهجير والنزوح وفقدان الأحبة والممتلكات، وحُرم الأطفال من حقهم في العيش الآمن والتعليم والحياة الطبيعية. ورغم حجم المعاناة، أثبت أبناء المحافظة صلابة استثنائية وتمسكاً بأرضهم وهويتهم الوطنية، رافضين الاستسلام لقوى التطرف والإرهاب.
ومع انطلاق عمليات التحرير، توحد العراقيون بمختلف انتماءاتهم تحت راية الوطن، وسطر أبطال القوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها ملاحم بطولية خالدة، وامتزجت دماء الشهداء الزكية على أرض نينوى دفاعاً عن العراق وشعبه، حتى تحقق النصر وتحررت المدينة من قبضة الإرهاب، وعادت رايات العراق ترفرف فوق أرضها من جديد.
ومن المؤسف أنه رغم حجم هذه الفاجعة الوطنية وما ترتب عليها من تداعيات خطيرة أدت إلى سقوط مدن أخرى بيد الإرهاب، فإن الكثير من الأسئلة ما زالت قائمة بشأن المسؤوليات التي أحاطت بتلك الأحداث. فهذه الكارثة لم تكن حدثاً عابراً، بل شكلت جرحاً عميقاً في ذاكرة العراقيين جميعاً، ومع ذلك ما زالت عائلات الضحايا وأبناء نينوى يتطلعون إلى كشف الحقائق كاملة ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته وفق القانون، تحقيقاً للعدالة وإنصافاً للضحايا، وترسيخاً لمبدأ أن أمن الوطن وسيادته مسؤولية لا يجوز التهاون بها.
إن تحرير الموصل لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان انتصاراً للإرادة الإنسانية على الظلام، وللقيم الوطنية على الفكر المتطرف، وللأمل على اليأس. ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة إعادة الإعمار واستعادة الحياة إلى المدينة، رغم التحديات والصعوبات التي خلفتها سنوات الاحتلال والإرهاب.
واليوم، تبقى فاجعة الموصل ذكرى مؤلمة تستدعي استذكار تضحيات الشهداء والجرحى وكل من أسهم في تحرير الأرض وصون كرامة الإنسان، كما تذكرنا بأهمية الوحدة الوطنية وترسيخ ثقافة التعايش السلمي ونبذ التطرف والكراهية، والعمل على بناء دولة قوية وعادلة تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة.
وتحيةً وألف تحية إلى جميع الأبطال الذين شاركوا في معارك التحرير من مختلف صنوف القوات الأمنية، وإلى كل من أسهم في دحر الإرهاب واستعادة الأرض وصون كرامة الوطن. فقد سطروا ببطولاتهم وتضحياتهم صفحات مشرقة في تاريخ العراق، وقدموا أروع صور الشجاعة والفداء والإخلاص للوطن.
والرحمة والخلود للجميع شهداء العراق الأبرار الذين بذلوا أرواحهم دفاعاً عن الوطن وشعبه، وجعل تضحياتهم نبراساً للأجيال القادمة. وسيبقى ذكرهم خالداً في ذاكرة العراقيين، كما ستبقى نينوى رمزاً للصمود والتحدي، وشاهداً على أن الإرهاب مهما بلغت قوته لا يمكن أن ينتصر على شعب يؤمن بالحياة والوطن والإنسان
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن