Erbil 28°C الإثنين 08 حزيران 20:27

الاختطاف القانوني للطفولة: حين تتحول المدونة إلى أداة لانتزاع الأطفال من ذواتهم

ليس الخطر في القانون حين يكون صارماً، بل حين يفقد قدرته على رؤية الإنسان الذي يُطبق عليه. فالقانون قد يكون عادلاً في نصه، لكنه يتحول إلى قسوة حين يُنفذ دون أن يلتفت إلى الأثر الإنساني الذي يخلّفه في النفوس، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالطفولة.

إن الجدل الدائر حول بعض مواد تنظيم الحضانة في مشروع المدونة الجعفرية، لا سيما المادة (86) وما يرتبط بها من آليات نقل الطفل بين الأبوين، يفتح سؤالاً بالغ الحساسية: هل نحن أمام تنظيم لحماية الطفل، أم أمام منظومة قد تؤدي – في بعض صور تطبيقها – إلى اقتلاع الطفل من عالمه النفسي والاجتماعي باسم الشرعية القانونية؟

في قاعات المحاكم، لا تُختصر القضية في نصوص جامدة؛ فهناك طفل يبكي، يتمسك بيدٍ يعرفها، ويرفض الانتقال إلى عالم لا يفهمه، بينما يُطلب من السلطة التنفيذية أن تمضي في الإجراء بوصفه "تنفيذاً لحكم قضائي". هنا يبدأ التوتر الحقيقي بين القانون والإنسان.

الطفل ليس ملفاً قانونياً

الإشكال الجوهري في بعض التصورات التشريعية لقضايا الحضانة أنها تميل إلى تحويل الطفل إلى "محل نزاع قانوني"، لا كيانٍ إنساني مستقل له ذاكرة وارتباطات ومشاعر تتشكل عبر الزمن.

فالطفل الذي عاش سنوات في بيت واحد، مع شخص يعتبره مصدر أمانه الأول، لا يدرك معنى أن تُعاد صياغة حياته بقرار قضائي. هو لا يفهم المصطلحات القانونية، لكنه يفهم الفقد، ويفهم الخوف، ويفهم الانقطاع المفاجئ عن عالمه الذي بناه تدريجياً.

وحين يُختزل هذا العالم كله في معيار قانوني، أو شرط شكلي، أو ترتيب أولوية، فإننا لا نكون أمام "عدالة مجردة"، بل أمام تجاهلٍ لطبيعة الإنسان نفسه.

النقد الجوهري لبعض مضامين المادة (86)

إن الإشكال الذي يُثار حول المادة (86) لا يتعلق بفكرة تنظيم الحضانة بحد ذاتها، وإنما في المخاطر المحتملة لطريقة التطبيق إذا جرى تغليب القواعد الشكلية على المعيار الجوهري: مصلحة الطفل الفضلى.

فالحضانة ليست مجرد نقل سلطة أو تحديد أحقية، بل هي تقدير مركب يشمل:

الاستقرار النفسي للطفل.

امتداد علاقاته العاطفية.

بيئته التعليمية والاجتماعية.

قدرة كل طرف على توفير الأمان والرعاية المستمرة.

وحين يتم اختزال هذه المنظومة في معيار واحد جامد، فإن القرار يفقد حساسيته تجاه الإنسان (موضوع الحماية)، ويتحول إلى إجراء ميكانيكي. والأخطر من ذلك، أن أي تطبيق لا يأخذ في الاعتبار التقييم النفسي والاجتماعي العميق قد يؤدي إلى نتائج قاسية على الطفل، حتى لو كان القرار صحيحاً من الناحية الشكلية.

لحظة التنفيذ: حين يختفي الطفل خلف النص

في الواقع العملي، لا تحدث مأساة الطفولة في نص القانون، بل في لحظة التنفيذ:

طفلٌ يُستدعى من بيئته المعتادة، ويُطلب منه أن يرافق شخصاً قد يشعر نحوه بالغربة أو الرفض؛ فيبدأ بالبكاء، والتعلق، والرفض، والصراخ أحياناً... لكن الإجراء يستمر، لأن "الحكم واجب التنفيذ".

هنا ينشأ التناقض الأخطر: القانون الذي وُجد لحماية الاستقرار النفسي يصبح – في لحظة التطبيق – سبباً لاضطرابه.

بين العدالة الشكلية والعدالة الإنسانية

إن العدالة لا تُقاس فقط بصحة الإجراء، بل بمدى انسجامه مع طبيعة الإنسان الذي يُطبق عليه. فالطفل ليس عقاراً يُنقل، ولا ملفاً يُغلق، ولا حالة إجرائية تُحسم؛ هو كائن يتشكل وعيه من الاستقرار، ويُبنى إحساسه بالأمان من الاستمرارية، ويتأثر بعمق بأي اقتلاع مفاجئ من بيئته النفسية. وعندما تتقدم القاعدة الشكلية على الحقيقة الإنسانية، ينشأ خلل في ميزان العدالة ذاته.

مصلحة الطفل الفضلى: من شعار إلى معيار ملزم

إن مبدأ "مصلحة الطفل الفضلى" لم يعد مفهوماً أخلاقياً عاماً، بل أصبح قاعدة قانونية دولية ملزمة بموجب اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، التي ألزمت الدول بأن يكون هذا المبدأ هو الاعتبار الأول في جميع الإجراءات التي تمس الطفل.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في التطبيق: هل يُعامل هذا المبدأ كقاعدة حاكمة، أم كعنصر ثانوي يمكن تجاوزه أمام اعتبارات أخرى؟ إن أي نظام قانوني لا يجعل هذا المبدأ في قمة الهرم التقييمي في قضايا الحضانة، يخاطر بإنتاج نتائج قانونية صحيحة شكلاً، لكنها مؤلمة جوهراً.

الطفولة بين النص والصدمة

علم النفس الحديث لا يتعامل مع الانتقال القسري للطفل بوصفه إجراءً بسيطاً، بل بوصفه حدثاً قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الشعور بالأمان، والثقة، والاستقرار العاطفي. فكل اقتلاع مفاجئ من بيئة مستقرة قد يتحول إلى تجربة صادمة، لا سيما عندما لا يكون الطفل قادراً على فهم السبب أو تبريره. وهنا يصبح السؤال القانوني ناقصاً إذا لم يُستكمل بالسؤال الإنساني: ما الذي يحدث داخل هذا الطفل بعد تنفيذ القرار؟

الإشكال الدستوري العميق

إن الدستور العراقي حين نص على حماية الأسرة والطفولة في المادة (29)، لم يقصد حماية شكلية أو تنظيمية فقط، بل حماية وجودية للطفل بوصفه محور الرعاية والدعم والاستقرار. كما أن مبدأ المساواة وعدم التمييز، ومبدأ الأمن القانوني، وعدم رجعية القوانين، كلها تشكل منظومة واحدة هدفها منع تحويل القانون إلى أداة اضطراب اجتماعي. وعليه، فإن أي تفسير أو تطبيق للنصوص المتعلقة بالحضانة يجب أن يُقرأ في ضوء هذه المنظومة، لا بمعزل عنها.

الفقه المقارن ومقاصد الشريعة

في الفقه الإسلامي، لا تُفهم النصوص بمعزل عن مقاصدها، وأعلاها حفظ النفس والنسل والأسرة. وهذه المقاصد لا تتحقق بنقل شكلي للولاية أو الحضانة، بل بتحقيق المصلحة ودفع الضرر. كما أن الاتجاهات التشريعية الحديثة في العالم العربي والإسلامي تميل بشكل متزايد إلى إعطاء وزن أكبر للمعايير النفسية والاجتماعية في قضايا الحضانة، إدراكاً لحساسية هذه القضايا وعمق أثرها على تكوين الطفل.

خاتمة: من يحمي الطفل من القانون؟

إن أخطر سؤال يمكن أن يُطرح اليوم ليس: من يملك الحق في الحضانة؟ بل: هل بقي للطفل حق في أن يكون طفلاً؟

فالطفل لا يعرف النصوص، ولا يفهم الجدل الفقهي، ولا يعنيه الصراع القانوني بين الكبار؛ هو يعرف شيئاً واحداً فقط: أين يشعر بالأمان. وإذا أصبح القانون نفسه سبباً لفقدان هذا الأمان، فإننا لا نكون أمام مشكلة في مادة قانونية فحسب، بل أمام أزمة في مفهوم العدالة ذاته. إن القانون الذي لا يسمع بكاء الطفل يفقد جزءاً من شرعيته الأخلاقية، حتى لو كان صحيحاً في صياغته.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.