Erbil 28°C الخميس 28 أيار 19:10

دور باكستان في الوساطة بين إيران وإدارة ترامب.. دوافع وتداعيات

يتساءل العديد من المراقبين عن سر الدور الباكستاني النشط في الوساطة بين الأمريكان وإيران. بعضهم يتهم الباكستان جزافاً أو من منطلق التمنيات والانحياز السياسي، وبعضهم يؤيد دورها، وبعضهم يبني آمالاً لها ما لها وعليها ما عليها.

من أجل أن نقف على مقتضيات الدور الباكستاني، لا بد أن نأخذ بنظر الاعتبار الأسس التالية:

ترتبط باكستان مع إيران جغرافياً بحدود يصل طولها إلى 995 كلم، وهي حدود حساسة جداً كونها تشكل مرتكزاً يلتقي عنده البلوش الذين يتوزعون على ثلاثة بلدان هي: أفغانستان، إلى جانب باكستان وإيران. والبلوش يشكلون قومية متميزة ديموغرافياً، ولديهم طموح بالانفصال وتشكيل دولة "بلوشستان الكبرى".

إن هذا التشكيل الإثنوغرافي والجيوسياسي للبلدان الثلاثة يخلق شعوراً مشتركاً بأهمية التنسيق الأمني حفاظاً على وحدة الدول السيادية، رغم أن كل دولة منها تستخدم هذا السيف أحياناً ضد جاراتها في حالات المنازعات والخلافات الحدودية. وهنا تبرز حالات محددة:

الأولى: عام 1971، شهد إقليم بلوشستان في باكستان احتقاناً سياسياً كبيراً متأثراً بأزمة انفصال باكستان الشرقية (بنغلاديش)، حيث طالب القادة البلوش بنيل الحكم الذاتي وتوسيع حقوقهم. تصاعدت حدة هذه المطالب في السنوات التي تلت الأزمة، لتفجر انتفاضة مسلحة في عام 1973 بعد أن أقالت الحكومة المركزية حكومة الإقليم المنتخبة. حينها، وقف شاه إيران جنباً إلى جنب مع باكستان تحت حكومة السيد ذو الفقار علي بوتو في مواجهة ثورة البلوش المدعومين من الاتحاد السوفيتي لتحقيق بلوشستان الكبرى انطلاقاً من داخل باكستان ضد الحكم الباكستاني، رغم اختلاف توجهات البلدين في سياستهما الخارجية؛ حيث تحالف شاه إيران مع الولايات المتحدة في وقت تحالف فيه ذو الفقار علي بوتو مع الصين. حينها قال الشاه: "إن السماح بانفصال إقليم بلوشستان الباكستاني عن باكستان سيؤدي إلى انشطار الدول على أسس عرقية بدءاً من تركيا وصولاً لحدود الصين، وهذا أمر لن أسمح لنفسي حتى أن أحلم به".

الثانية: وقوف باكستان في عهد ضياء الحق إلى جانب إيران عام 1979 حين تولى الخميني السلطة، رغم أن إيران أعلنت أن أحد أهدافها إسقاط نظام ضياء الحق (العميل للأمريكان حسب وصفهم) وبدأت فعلاً بدعم اتجاهات التطرف (الشيعي) داخل باكستان ضد النظام الباكستاني. حينذاك أرسل ضياء الحق وزير خارجيته أغا شاهي الذي وقف أمام البرلمان الإيراني ليعلن: "إن تأييد الباكستان للنظام الجديد في إيران يعد أحد أعمدة سياسة باكستان الخارجية".

ثالثاً: لعب الجنرال ضياء الحق دوراً فاعلاً في الوساطة بين العراق وإيران فترة الحرب العراقية - الإيرانية انطلاقاً من الدور الباكستاني في منظمة المؤتمر الإسلامي، ولم يقف أمام جهوده لوقف الحرب إلا إصرار إيران على استمرارها لغاية 1988م.

رابعاً: رغم تحفظات باكستان من موقف إيران المحايد تجاه قضية كشمير ـ وهي قضية باكستان المركزية ـ لطبيعة مصالح إيران مع الهند، إلا أن الباكستان ظلت تحافظ على مستوى من العلاقات بين البلدين، والتي شهدت توترات آنية بسبب احتضان كل من باكستان وإيران لمنظمات بلوشية مسلحة داخل البلد الآخر كورقة ضغط تحقيقاً للمصالح الوطنية.

من جانب آخر، فإن الباكستان تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع كل من الولايات المتحدة والصين منذ تأسيس دولة باكستان، وهو موقف لم يتأثر إطلاقاً بالتنافس والصراع بين الولايات المتحدة والصين ومن ضمنها الحرب الكورية في عقد الخمسينات. بل إن الباكستان لعبت دوراً محورياً في التقارب الأمريكي - الصيني منذ عام 1972 وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية في عام 1979 حين اعترفت حكومة الولايات المتحدة بجمهورية الصين الشعبية باعتبارها "الحكومة الشرعية الوحيدة للصين" رغم محافظتها على علاقات غير رسمية مع تايوان، ودخول الصين كعضو دائم في عضوية مجلس الأمن الدولي.

في ضوء ذلك، فإن الباكستان مع استقرار إيران بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي فيها للاعتبارات الجيوبولتيكية آنفة الذكر. وهي بمساعيها للوساطة بين الإدارة الأمريكية وإيران في الصراع القائم إنما تحقق الآتي:

الحفاظ على التوازنات والاستقرار الإقليمي المهم لاستقرارها داخلياً، من خلال جهود الحفاظ على استقرار الواقع الجيوبوليتيكي لبلدان غرب وجنوب غرب آسيا.

مساعدة الإدارة الأمريكية في إيجاد حل يحفظ لها هيبتها إثر إقحام نفسها في حرب لا تستطيع فيها تحقيق ما أعلنته من مقاصد، بسبب العناد الإيراني المعهود والأخطاء التي وقعت فيها إدارة ترامب في تقييم الوضع الإيراني.

لعب دور في إنقاذ ممرات وسلاسل التوريد للتجارة والطاقة العالمية من أزمة تهدد الاقتصاد العالمي، وخاصة شريكتها الصين التي تعتمد على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية بنسبة 50% من واردات الطاقة.

التخلص من الموقف الحرج الذي وجدت فيه باكستان نفسها لطبيعة علاقاتها مع السعودية وبلدان الخليج العربي التي صارت مستهدفة من قبل إيران، خاصة أنها ترتبط مع السعودية باتفاقية دفاع مشترك وتسعى لتكون تركيا ضمن هذه المظلة الإسلامية ليكون لها دور إقليمي متقدم في إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط.

ولأجله، فإنها خاضت مرحلة نشطة وفعالة في المفاوضات وتركيز الاتصالات مع جميع الأطراف وبشكل ميداني، وهو الدور الذي لا تستطيع غيرها تحقيقه؛ حيث تميز دورها عن دور دولة عمان وغيرها والتي اقتصر دورها على إيصال الرسائل، في حين دخلت باكستان على خط إيجاد حلول وسط بين الأطراف، والسعي لإقناع كل من الطرفين فيها، والتحذير من تفاقم الموقف إقليمياً ودولياً.

استنتاجات

تستمر الباكستان في نشاط دبلوماسي ضاغط لأجل التوصل لحل توافقي بين الولايات المتحدة وإيران، وتسعى لتقليل فرص عودة الحرب بينهما.

إن هذا الدور قد ينشأ عنه اتفاقية شاملة توقف الصراع بوجهيه العسكري والسياسي، رغم تداعيات ذلك سلباً على تقاسم النفوذ في بلدان المشرق العربي ضمن صفقة سبق وأن حصل مثيل لها في اتفاقية 2015 على عهد إدارة أوباما، الذي أتاح الفرصة لتكريس وتوسيع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا مقابل تنازل إيران ولو بجزء مهم من برنامج التخصيب في برنامجها النووي، وهو ما يمكن تكراره في حال الاتفاق على معاهدة أمن شاملة مقابل موافقة إيران على تنازلات في برنامجها النووي وتحديداً في العراق ومناطق أخرى مشرقية.

لذلك، فإن بلدان المشرق العربي ومصر ليس أمامها في مواجهة التداعيات الخطيرة إلا تشكيل منظومة تعاون أمني واقتصادي وعسكري متماسك في مواجهة كلا المشروعين الإقليميين؛ الإسرائيلي والإيراني، وربما بتنسيق واضح ومتكامل مع تركيا والباكستان ضمن المساعي المبذولة لإعادة النظر في الخرائط السياسية لعموم منطقة الشرق الأوسط.

دون ذلك، فإن الفرصة ستكون مؤاتية لتطوير وتكريس المشروع الإبراهيمي وشمول بلدان المشرق العربي (التي ستقع خارج نطاق النفوذ الإيراني) إن لم تدخل إيران نفسها هذا المشروع بشكل أو بآخر، وهو ما تعمل عليه الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية.

 

الأخبار

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.