Erbil 28°C الأربعاء 29 نيسان 14:10

ننتخب… ولا نحكم

ن رئيس الحكومة أيّاً كان اسمه يجد نفسه محكوماً بتوازنات القوى التي جاءت به. فكيف يمكنه أن يفتح ملفات الفساد، أو يستعيد الأموال المنهوبة، أو يحدّ من النفوذ السياسي، أو يضبط السلاح، وهو يستند إلى نفس البنية التي أنتجت هذه الإشكالات؟ هنا يتحول المنصب من أداة للتغيير إلى جزء من المشكلة

د. طالب محمد كريم

في خضم هذا النقاش المتصاعد حول تشكيل الحكومات في العراق، لا يبدو الجدل مجرد اختلاف في الآراء، بقدر ما يكشف عن أزمة أعمق، تتجاوز الأشخاص والأسماء، لتلامس جوهر البنية السياسية نفسها. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يتولى رئاسة الحكومة، بل بكيفية إنتاج هذا المنصب، ومن يملكه فعلياً، ولأي إرادة يستجيب.

منذ الدورة الأولى بعد 2003، ترسّخ نمطٌ سياسي قائم على (التسوية) لا على (الاختيار). هذا النمط، الذي يُقدَّم أحياناً بوصفه ضرورة لحفظ التوازن، تحوّل مع الزمن إلى قاعدة غير مكتوبة، تُعاد إنتاجها في كل استحقاق، بغض النظر عن نتائج الانتخابات. وهنا تتشكل المفارقة الكبرى: الناخب يذهب إلى صناديق الاقتراع ليُحدث فرقاً، لكن مخرجات العملية السياسية تُعاد صياغتها في غرف التوافق، حيث تتقدّم الحسابات الحزبية على الإرادة الشعبية.

هذا الانفصال بين (الإرادة) و(المنتج) ليس خللاً عابراً، بل نتيجة بنية مركّبة تتداخل فيها ثلاثة مستويات رئيسية:

أولها: الدستور، الذي صيغ في سياق انتقالي معقّد، فترك مساحات واسعة للتأويل السياسي، خصوصاً في ما يتعلق بالكتلة الأكبر وتشكيل الحكومة. هذه المرونة، بدل أن تكون عامل استقرار، تحوّلت إلى أداة لإعادة تشكيل النتائج بما يتناسب مع موازين القوى بعد الانتخابات، لا قبلها.

ثانيها: العرف السياسي، الذي نما على حساب النص، حتى بات في كثير من الأحيان أقوى منه. فالمحاصصة، وإن لم تُذكر صراحة في الدستور، أصبحت قاعدة حاكمة، تُوزَّع بموجبها المناصب لا وفق الكفاءة أو البرامج، بل وفق الانتماءات والتوازنات. وهنا تفقد الديمقراطية أحد أهم شروطها: التنافس الحقيقي على أساس الرؤية والإنجاز.

أما المستوى الثالث، فهو الوعي والمزاج الشعبي، الذي لم يتمكن—لأسباب متعددة—من كسر هذه الحلقة. فإما أنه يعيد إنتاج نفس القوى، أو ينسحب من المشاركة، أو ينشغل بالشعارات على حساب البرامج. وفي كل الحالات، تبقى النتيجة واحدة: إعادة تدوير الأزمة نفسها.

وفي سياق هذا الجدل، يبرز نمطٌ آخر من الكتابات، يبدو في ظاهره اعتراضاً على اسم المكلّف أو آلية اختياره، لكنه في جوهره لا يلامس الخلل البنيوي بقدر ما يدور في فلكه. فكثير من هذه الاعتراضات تنطلق بوعي أو من دونه من افتراض ضمني بأن اللعبة السياسية حكرٌ على (أيقونات) محددة، لا يجوز كسر جدرانها. وعليه، يتحول الاعتراض من مساءلة للمنظومة إلى حنين مقنّع لنفس الوجوه، وكأن التغيير خارج هذه الدائرة خطأ بحد ذاته.

في المقابل، يذهب بعض الكتّاب إلى لغة متعالية، توحي باحتكار الحقيقة، من دون إدراك لطبيعة الدولة الحديثة، حيث لا يُختزل رئيس الحكومة في شخصه، بل يعمل ضمن فريق من المستشارين والوزراء، وضمن برنامج حكومي، وتحت رقابة برلمانية، وهذا توصيف للحالة الطبيعية للدولة، لا بالضرورة انعكاسٌ دقيق لواقعها.

في هذا السياق، يبدو الحديث عن (تحوّل) في آليات اختيار رئيس الوزراء بحاجة إلى تدقيق. فليس كل خروج عن المألوف تحوّلاً حقيقياً. التحوّل يُقاس بمدى تغيّر القواعد، لا بتبدّل الأسماء. وإذا لم تكن هناك معايير واضحة ومعلنة لاختيار المرشحين، وإذا لم يُخاطَب الجمهور بصدق حول أسباب هذا الاختيار، فإن ما يحدث لا يتجاوز كونه إعادة ترتيب داخل نفس المنظومة.

الأخطر من ذلك، أن رئيس الحكومة أيّاً كان اسمه يجد نفسه محكوماً بتوازنات القوى التي جاءت به. فكيف يمكنه أن يفتح ملفات الفساد، أو يستعيد الأموال المنهوبة، أو يحدّ من النفوذ السياسي، أو يضبط السلاح، وهو يستند إلى نفس البنية التي أنتجت هذه الإشكالات؟ هنا يتحول المنصب من أداة للتغيير إلى جزء من المشكلة.

وعليه، إن الفجوة بين إرادة الناخب والمنتج السياسي ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي جوهر الأزمة الديمقراطية في العراق. فالديمقراطية لا تُقاس بوجود انتخابات فقط، بل بقدرتها على ترجمة نتائجها إلى سلطة فعلية تعبّر عن الناس. وعندما تنفصل النتائج عن مخرجاتها، تتحول العملية برمّتها إلى شكل بلا مضمون.

لذلك، فإن أي حديث جاد عن الإصلاح لا يمكن أن يكتفي بتغيير الوجوه، بل يجب أن يتجه إلى إعادة بناء القواعد: مراجعة دستورية واضحة تحدد آليات تشكيل الحكومة بشكل لا يقبل الالتفاف، ضبط العرف السياسي ضمن حدود النص، وإعادة تنشيط الوعي الشعبي ليكون فاعلاً لا متفرجاً.

دون ذلك، ستبقى كل محاولة للتغيير مجرد حركة داخل نفس الدائرة، وسيبقى السؤال معلّقاً:

هل نُنتج حكومات تعبّر عن إرادة الناس… أم نُعيد إنتاج ما اعتدنا عليه؟

الأخبار

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.