لم تعد أزمة الانسداد السياسي في العراق مجرد خلافات عابرة بين القوى السياسية، بل أصبحت انعكاسًا واضحًا لخلل عميق في بنية النظام السياسي، حيث تُغيَّب إرادة الشعب، وتُستبدل بتفاهمات وصفقات لا تمت بصلة لنتائج صناديق الاقتراع.
فالانتخابات، التي يفترض أن تكون الأداة الأساسية للتعبير عن إرادة المواطنين، فقدت الكثير من قيمتها، حين تحوّلت نتائجها إلى مادة للتفاوض، تُعاد صياغتها وفق مصالح القوى المتنفذة. وبهذا، يجد الناخب نفسه أمام واقع لا يشبه اختياره، ولا يعكس صوته، مما أدى إلى تراجع الثقة بالعملية السياسية، واتساع دائرة العزوف الشعبي عن المشاركة.
إن استمرار تشكيل الحكومات على أساس التوافق السياسي، لا على أساس الاستحقاق الانتخابي، أفرز حكومات هشة، عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة، ومكبّلة بتوازنات معقدة، تجعل من كل خطوة إصلاحية مشروع أزمة جديدة. ومع هذا الضعف، تتراجع الخدمات، وتتأخر التنمية، وتتراكم الأزمات التي يدفع ثمنها المواطن وحده.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن قانون الانتخابات، الذي يحتاج إلى مراجعة جادة تضمن عدالة التمثيل، وتمنع الالتفاف على إرادة الناخب. فاعتماد آليات أكثر وضوحًا وشفافية، وربما النظر في جعل العراق دائرة انتخابية واحدة، قد يسهم في تقليص تأثير الانقسامات الضيقة، ويعزّز من حضور الهوية الوطنية.
كما أن النقاش حول شكل النظام السياسي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة تفرضها التجربة. فالنظام البرلماني بصيغته الحالية أثبت عجزه عن إدارة الأزمات المتكررة، ما يفتح الباب أمام التفكير بخيارات أخرى، كالنظام الرئاسي أو شبه الرئاسي، بما يحقق توازنًا أفضل بين الاستقرار السياسي والمساءلة الديمقراطية.
إن أخطر ما في المشهد ليس الانسداد السياسي بحد ذاته، بل ما ينتجه من فقدان متزايد للثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما قد يقود إلى مزيد من العزوف، وربما إلى أشكال احتجاج أوسع، إذا ما استمرت الفجوة بالاتساع.
العراق اليوم بحاجة إلى وقفة صادقة، تعيد الاعتبار لإرادة الشعب، وتجعلها الأساس الحقيقي في تشكيل السلطة، لا مجرد شعار يُرفع في مواسم الانتخابات. فبدون ذلك، ستبقى الديمقراطية شكلًا بلا مضمون، وسيبقى الوطن أسير أزمات لا تنتهي.
لقد آن الأوان لأن تدرك القوى السياسية أن الشرعية لا تُصنع في الغرف المغلقة، بل تُستمد من صوت المواطن، وأن أي مشروع لا ينطلق من هذه الحقيقة، محكوم عليه بالفشل مهما طال الزمن.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن