لستُ من الذين يُسلّمون بكل روايات الماضي؛ لا للشفاهية التي تحولت إلى كتابة، بل لأن التاريخ يخونه التوثيق كثيرًا، وأحيانًا كثيرة لا يتم وضع الحدث بكامله، ولا يتم تحليل شخصياته بحيادية.
فالإنسان نسبي ومنجزاته أيضًا، فردًا كان أم جماعة، والدوافع موجودة، تعمدًا أو خشية، والجهالة والتجهيل وسيلتان من وسائل النصر عند نوعية من البشر كانت ولم تزل وتبقى.
لكن أمام إخفاقات الإحاطة والحياد في المنقول، لا يسع الإنسان أن يحتج بالخيال ليفهم المشوش، أو يكتب أو يفهم عن شيء خفي، ولذا فإن العقل عليه التعامل مع الروايات بالفهم والتفسير والنقد، ومنها التاريخ الخاص بالحكم والسلطة وتطورات قيام النظام ليكون دولة، ومراحل انتشار مساحتها وانسحاباتها، وكيف كان يعيش إنسانها محكومًا وحاكمًا، ونوع الارتباط والأولويات.
ليست الدولة الدينية بعنوانها ومضمونها دولة منطقة بذاتها، ذلك أن الأديان السماوية والمعتقدات غير السماوية كانت وتبقى ذخيرة حكم، ولا تخلو منظومة منهما حتى مع إنكارهما عند جماعات إنسانية.
من المُسلّمِ به، بل والسائد عن أغلبية لا تحصى ولا يستهان بها وجودًا وتأثيرًا من المتحججين والمستندين بدوافعهم وتوجهاتهم للمتوافر المتناقل من كتب التاريخ -التي تعد وثيقة لا من حيث القطع بأن مضمونها حقيقي، بل من حيث إنها مكتوبة بيد من نُسِبَت إليهم تأليفًا إلا إذا ظهر العكس بعد التحقيق- من المُسلّم به أنها وثقت لتاريخ منطقتنا وهويات الحكم التي مرت بها. واستعراض تنوعاتها وأعدادها ليس مجاله هنا، إنما المجال قد يتسع -بعد تكثيف المعلومات- إلى أسباب قيامها وزوالها، وانكشاف مصداقيتها من عدمه لمّا وصلت وتحكّمت، وكيف تمكّنت وما هي وسائلها ومدى شرعيتها، وكيف أثرت وبأي اتجاه على رعاياها، وهل كان همها نفسها أم همها خلق مجتمع ناجح؟ وقبل كل ذلك: أي عنوان شرعي قدمت من خلاله نفسها للرعية؟ إذ إنه يكفي لاختبارٍ واعتبارٍ؛ اختبار صدق من دوّن من عدمه، وإخبار للعقل ألا يرتمي تقديسًا وأخذًا بما ثبت أنه لا يستحق لا الأخذ ولا التقديس. وأما الاعتبار، فهو للحاكم والمحكوم والذي يوثق؛ ألا يكرر الأول جريمة غيره، وألا يسكت الثاني على اعتبار الأول له رقمًا من أرقامٍ يسوقها حيث يشاء، وللموثق ألا يخفي مهمًّا أو يصطنع كذبًا أو يبرر جرمًا.
من هذا كله وبه وعليه، شهدت التجربة البشرية في الحكم مراحل متقطعة قصيرة كان فيها الحكم أشبه بظلال تعطف على الرعية، وفترات معاكسة كان فيها الحكم ضلالة خلقت مصائب وأزمت رعايا الحكم، وكان الفارق بين الظلال والضلال: عقل وضمير؛ عقل يحمل الشر، وضمير لا يتسع لشيء إلا الصدق والخير (أو: يتسع لكل شيء إلا الصدق والخير)، وهاتان سمتا الضلال.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن