Erbil 28°C الأحد 05 نيسان 04:24

الإعلام الذي يختلق أعداءه

ما يحدث ليس فوضى، بل فوضى مدارة، كل شيء يبدو عشوائيًا، لكنه يخدم نتيجة واحدة
ماهر حسن

لنكن واضحين: جزء من الإعلام اليوم لا ينقل الواقع، بل يصنعه، ثم يطالبك بأن تصدقه. لا يتعلق الأمر بانحياز بسيط أو خطأ مهني عابر، بل بمنظومة كاملة تتغذى على خلق التوتر، وتعيش على تضخيم الصراع، وتربح من إبقاء الناس في حالة استنفار دائم.

في هذا الإعلام، لا يوجد خبر بريء، كل قصة تدفع إلى الواجهة لسبب، وكل زاوية تختار بعناية، وكل كلمة محسوبة. ما يبدو لك تغطية عادية هو في كثير من الأحيان نتيجة قرار مسبق: ماذا نظهر؟ ماذا نخفي؟ ومن يجب أن يبدو كضحية، ومن يجب أن يقدم كخطر؟

الأمر لا يحتاج إلى مؤامرات معقدة، يكفي أن تكرر نفس الرسالة بطرق مختلفة، أن تختار نفس النوع من الضيوف، أن تعطي مساحة أكبر للصوت الأعلى، لا للأدق. ومع الوقت، سيتشكل وعي كامل مبني على هذا التراكم، وعي لا يرى العالم كما هو، بل كما تم ترتيبه له.

الأخطر أن هذا الإعلام لا يصرخ، لا يفرض عليك فكرة بشكل مباشر، إنما يدفعك إليها تدريجيًا، يزرع الشك أولًا، ثم يعززه، ثم يقدّم لك "التفسير" الجاهز، وحين تصل إليه، تعتقد أنه استنتاجك الشخصي، بينما هو في الحقيقة نتيجة مسار طويل من التوجيه غير المرئي.

خذ أي ملف ساخن، وسترى النمط نفسه: تضخيم، تبسيط، استقطاب، لا مكان للتفاصيل، لأنها تربك السرد، لا مكان للسياق، لأنه قد يخفف من حدّة الانفعال، المطلوب ليس أن تفهم، بل أن تختار طرفًا، وأن تبقى فيه.

وهنا تحديدًا تصنع المشكلة، لأن الإنسان حين يدفع إلى الاصطفاف قبل الفهم، يتحول إلى أداة يدافع، يهاجم، يعيد نشر، يشارك في معركة لم يختر شروطها أصلًا، ومع الوقت، لا يعود قادرًا على التراجع، لأن ذلك يعني الاعتراف بأنه كان جزءًا من لعبة أكبر.

الإعلام الذي يفعل ذلك لا يكتفي بتشويه الواقع، بل يستهلك الناس، يستنزفهم عاطفيًا، يدفعهم للغضب، ثم يطلب منهم المزيد. كل يوم أزمة، كل يوم عدو، كل يوم سبب جديد للتوتر، وكأن الهدوء خطر يجب القضاء عليه.

ولأن هذا النمط مربح - نعم، مربح - فإنه يستمر، التفاعل العالي يعني انتشارًا أكبر، والانتشار يعني نفوذًا، والنفوذ يعني مصالح. وهكذا تتحول الأخبار إلى صناعة، لا معيارها الدقة، بل التأثير.

في المقابل، يتم دفن كل ما لا يخدم هذا الإيقاع، القضايا الحقيقية التي تحتاج وقتًا لفهمها تهمش، الأصوات التي تحاول التهدئة تقصى، وكل من يحاول كسر هذا النمط يتهم بالسطحية أو بالانحياز أو حتى بالخيانة، المهم أن لا يتوقف هذا التدفق المستمر من الانفعال.

ما يحدث ليس فوضى، بل فوضى مدارة، كل شيء يبدو عشوائيًا، لكنه يخدم نتيجة واحدة: إبقاء الناس مشغولين، منقسمين، غاضبين، لأن الإنسان الغاضب لا يسأل كثيرًا، والإنسان المنشغل لا يرى الصورة كاملة.

السؤال الحقيقي لم يعد: هل هذه القصة صحيحة؟ بل: لماذا تروى بهذه الطريقة تحديدًا؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من هذه الزاوية دون غيرها؟

الإجابة لن تأتي من نفس المنصات التي تصنع المشكلة، لأن الإعلام الذي يعتاش على التوتر لن يشرح لك كيف يصنعه، هذه مسؤولية المتلقي، إن أراد أصلًا أن يخرج من هذه الدائرة.

في النهاية، أخطر ما في هذا الإعلام أنه يدخل يومك بهدوء، يجلس معك، يخبرك بما "يحدث"، ثم يتركك وأنت تظن أنك فهمت العالم، بينما أنت في الحقيقة رأيت نسخة معدّلة منه - يعاد تشكيل واقع ونحن نستهلكه بصمت، ونكون قد انتقلنا من مجرد متلقين للأخبار إلى جزء من آلتها، أخطر ما في هذه اللعبة أنك تظن نفسك خارجها، بينما أنت أحد أدواتها: تغضب حين يطلب منك، وتخاف حين يراد لك، وتصدق لأنك مرهق من كثرة ما شحنت به، عند هذه النقطة، لا يكون الإعلام قد خدعك فقط، بل نجح في إعادة برمجتك - بهدوء، ببطء، ودون أن يترك لك فرصة لتدرك متى فقدت السيطرة.

الأخبار

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.