كلا الطرفين يعتقد أنه يتحرك دفاعًا عن نفسه، وكلاهما يرى الآخر باعتباره المعتدي. وهذا بالضبط ما يجعل هذه المواجهة شديدة الصعوبة في الحل
بقلم الدكتور محمد إحسان
إن تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد حلقة أخرى في صراع طويل يمتد لعقود. بل هو المرحلة الأحدث في مواجهة أوسع بكثير تتعلق بالقوة والردع والنفوذ، وبشكل النظام السياسي المستقبلي في الشرق الأوسط. وما يبدو على السطح على أنه سلسلة من التهديدات والتحركات العسكرية والتصريحات السياسية، هو في الحقيقة صراع أعمق بين رؤيتين استراتيجيتين تتصادمان منذ أجيال.
لطالما نظرت الولايات المتحدة إلى إيران بوصفها قوة مزعزعة للاستقرار، وتمثل طموحاتها الإقليمية تحديًا للمصالح الأمريكية وتهديدًا لأمن حلفائها. أما إيران، من جهتها، فترى الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط شكلًا من أشكال الاحتواء المصمم للحد من سيادتها ومنعها من أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة. كلا الطرفين يعتقد أنه يتحرك دفاعًا عن نفسه، وكلاهما يرى الآخر باعتباره المعتدي. وهذا بالضبط ما يجعل هذه المواجهة شديدة الصعوبة في الحل.
إن التصعيد الحالي مدفوع بانهيار الثقة الاستراتيجية. فلم تعد واشنطن وطهران تفسران أفعال بعضهما البعض من خلال عدسة دبلوماسية. فكل انتشار عسكري، وكل تصريح سياسي، وكل تطور تقني، يُنظر إليه باعتباره جزءًا من خطة أكبر. وعندما يصل الخصمان إلى هذه المرحلة، فإن حتى التحركات المحدودة قد تحمل خطر إشعال أزمة أوسع بكثير.
في قلب هذا الصراع تكمن معركة الردع. تريد الولايات المتحدة أن تفهم إيران أن الهجمات على المصالح الأمريكية أو على الشركاء الإقليميين ستترتب عليها عواقب وخيمة. وتريد إيران أن تفهم واشنطن أن الضغط والتهديدات العسكرية لن يدفعاها إلى الاستسلام. كلا الطرفين يحاول رسم حدود القوة، لكن الخطر يكمن في أنهما قد يختلفان حول مكان هذه الحدود فعلًا.
إن قوة إيران لم تعتمد يومًا على القدرة العسكرية التقليدية وحدها. فقد بُني نفوذها من خلال مزيج من الجغرافيا، والعلاقات السياسية، والقدرات غير المتكافئة، والقدرة على فرض تكاليف على الخصوم. وتدرك طهران أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة بالأساليب العسكرية التقليدية، لكنها طورت وسائل بديلة لإبراز قوتها وحماية مصالحها.
أما الولايات المتحدة، فما تزال عازمة على منع إيران من تغيير ميزان القوى في المنطقة. وتحكم حسابات واشنطن ليس إيران وحدها، بل أيضًا علاقاتها مع الحلفاء الإقليميين، وأمن طرق الطاقة العالمية، ومصداقية الالتزامات الأمريكية. وعلى مدى عقود، اعتمد النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط على إقناع الشركاء والخصوم بأن لدى الولايات المتحدة القدرة والإرادة على الرد.
والخطر هنا أن الطرفين يتحركان داخل **معضلة أمنية**؛ فكل منهما يعتقد أن خطواته ضرورية للحماية، بينما يفسر الطرف الآخر هذه الخطوات نفسها باعتبارها استعدادًا عدائيًا. إن القوة العسكرية المصممة لمنع الحرب قد تخلق أحيانًا الظروف التي تؤدي إلى التصعيد.
ولا تقتصر التداعيات الإقليمية لهذا الصراع على واشنطن وطهران. فالشرق الأوسط ما يزال واحدًا من أكثر المناطق أهمية استراتيجية في العالم بسبب موارده من الطاقة، وطرق التجارة، وموقعه الجيوسياسي بين القوى العالمية الكبرى. وأي حالة عدم استقرار مطولة قد تؤثر ليس فقط في الأمن الإقليمي، بل أيضًا في الأسواق الدولية والعلاقات الدبلوماسية.
لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الأزمة المتجددة ليس فقط ما تفعله الولايات المتحدة وإيران، بل أيضًا ما تختار إسرائيل ألا تعلنه علنًا.
فعلى مدى سنوات، كانت إسرائيل من أقوى الأصوات التي تحذر من الطموحات العسكرية الإيرانية ونفوذها الإقليمي. وقد أكد القادة الإسرائيليون مرارًا أن إيران تمثل تهديدًا استراتيجيًا يتطلب يقظة واستعدادًا دائمين. وبالنظر إلى هذا التاريخ، فإن الموقف العلني الهادئ نسبيًا لإسرائيل خلال موجة أخرى من التوتر الأمريكي الإيراني يبدو متعمدًا.



