Erbil 28°C الثلاثاء 27 تشرين الأول 21:39

بين أمل "سوريا المستقبل" ومرارة الواقع

بقلم: محمد إبراهيم

(أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) (سورة هود: 78)؛ صرخة استغاثة أطلقها نبي الله لوط -عليه السلام- حين عاتب قومه، وهذه الصرخة ذاتها تتردد اليوم في ضمير كل سوري يتأمل ما يجري في وطنه.

طالما تغنينا بشعار "بالحب رح نعمرها" لكي نرسم نموذجاً مصغراً لـ "سوريا المستقبل"، غير أن الواقع الذي نعيشه اليوم ينقل لنا قصة مختلفة كلياً عن ذلك. فأربعة عشر عاماً من الصراع والاقتتال الداخلي في سوريا—بدءاً من شرارة الثورة ضد النظام في آذار عام 2011، وحتى سقوط النظام في كانون الأول عام 2024—أفرزت جلياً جيلاً كاملاً حُرم أبسط مقومات التنشئة السليمة، وتربى على ثقافة العنف والتصفيات وتغذية أحقاد الهوية. ولقد بات السائد بين أطياف واسعة من هذا الجيل مبدأ الإقصاء؛ حيث يُنظر إلى كل من يختلف في القومية أو الطائفة أو الانتماء بوصفه "عدواً".

ولعل ما شهدناه مؤخراً في مدينة (تل أبيض/ گرێ سپی)، وقبلها في مدينة (رأس العين/ سه‌رێ كانیێ)، من اعتداءات وتكسير لسيارات المدنيين الكرد العائدين إلى ديارهم، ليس إلا دليلاً قاطعاً على طغيان هذه العقلية، وتغليب مبدأ القوة والعنف على مبدأ العقل والمنطق، حيث غاب صوت الحكمة تماماً عن المشهد. ألم يكن فيهم رجل رشيد يرفع صوته ليقول لهؤلاء: ما ذنب هؤلاء النسوة والأطفال فيما جرى بين الأطراف المتصارعة منذ بداية الأحداث؟

وحتى إن تذرع البعض بحجج واهية مفادها أن أولئك المدنيين العائدين هم عوائل لعناصر كانت ضمن قوات "قسد"، فإن الواقع السياسي المعلن ينسف هذه التبريرات من أساسها؛ ألم يكن هناك اتفاق ما بين تلك القوات والحكومة الحالية؟ ألم تندمج هذه القوات ضمن مؤسسات الدولة والقوات الأمنية والجيش التابع للحكومة القائمة؟ وألم يُعيَّن قائد تلك القوات، السيد مظلوم عبدي، في منصب مستشار الرئاسة السورية؟ إن هذا التناقض يضعنا أمام أسئلة جوهرية يطرحها الشارع الكردي وبقية المكونات بمرارة:

هل تخضع مناطق مثل "تل أبيض/ گرێ سپی" فعلياً لسلطة وقانون الدولة السورية؟

أم أن العشائرية، والنفوذ الشعبوي، وهياكل شريعة الغاب هي التي تحكم وتتصدّر الواجهة، في ظل غياب تام لهيبة القانون ومؤسساته؟

إن هذه الشواهد المؤلمة تعكس أزمة أعمق؛ فقد شهدت البلاد هجرة نزفية كبرى للمثقفين، والأكاديميين، وأصحاب الكفاءات والشهادات الذين غادروا بحثاً عن ملاذ آمن يحفظ كرامتهم وأرواحهم في دول العالم. وبنتيجة هذا الفراغ المهول، صار مصير البلاد محكوماً في غالبيته بفئات غيّبت لغة العقل وتدير المشهد بأسلوب الانتقام والإقصاء، متغلغلة في مفاصل الإدارة من أعلى الهرم الإداري وصولاً إلى أصغر موظف.

أمام هذه المعطيات القاسية.. من ذا الذي يستطيع أن يستبشر خيراً بمستقبل قريب للوطن؟

إن الواقعية السياسية والاجتماعية تفرض علينا ألا نغرق في تفاؤل زائف؛ فمشاهد الانتقام والتصفيات والاعتداء على الهوية مرشحة لأن تظل سيدة المشهد لفترة لا تقل عن عقد كامل من الزمن. فالعمود الفقري للمجتمع اليوم هو جيل كامل ينشدّ إلى رواسب السنوات الماضية، وبات بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل فكرية وتربوية شاملة تُغرس فيها القيم الإنسانية النبيلة، حتى يغدو قادراً على تقبّل الفكر المخالف، واحترام الآخر المختلف عنه قومياً ودينياً ومذهبياً وفكرياً في نسيج المجتمع السوري.

إن مسيرة التعافي الحقيقي لن تبدأ إلا حين يُعاد ترسيخ مفاهيم المواطنة الشاملة وسيادة القانون، وحين تنبعث منظومة الأخلاق والطيبة والمحبة من جديد، وحين نصل إلى مرحلة القبول الفعلي والعميق للآخر مهما اختلفت قوميته أو توجهه السياسي أو مذهبه.. حينها فقط، سنكون قادرين على وضع اللبنة الأولى لبناء الدولة السورية الحديثة؛ دولة تتسع لجميع أبنائها ومكوناتها بلا استثناء ولا إقصاء.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.