لم تكن ثورة تشرين 2019 نزوة عابرة، ولا موجة غضب انتهت بانتهاء أيامها، ولا صفحة طُويت بانسحاب المتظاهرين من الساحات. كانت صرخة وطن في وجه الفساد والتبعية وسوء الإدارة وضياع حقوق العراقيين. كانت انتفاضة شباب أرادوا دولة تحترم مواطنيها، وتصون كرامتهم، وتمنحهم حقهم في وطن مستقل وعادل.
واليوم، ونحن نجدد وقفتنا الاحتجاجية، فإننا لا نستعيد ذكرى تشرين لمجرد الحنين إلى أيامها، بل نعود لأن المطالب التي خرج العراقيون من أجلها ما زالت تستحق الدفاع عنها، ولأن دماء الشهداء وآلام الجرحى وحقوق المواطنين لا يجوز أن تضيع وسط صراعات الأحزاب ومصالح المتنفذين.
تشرين تعود، لا لتكرر الشعارات، بل لتذكّر الجميع بأن حقوق الشعب لا تسقط بالنسيان، وأن دماء الشهداء ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، وأن الجرحى ليسوا أرقاماً تُستحضر في المناسبات ثم يُتركون لمواجهة الحياة وحدهم.
شهداء تشرين وجرحاها… حقوق لا تقبل التأجيل
في مقدمة مطالبنا، نقف إجلالاً لشهداء تشرين الأبرار، وللجرحى الذين حملوا آثار الإصابات في أجسادهم، وللعائلات التي فقدت أبناءها، وللذين تغيرت حياتهم بسبب ما تعرضوا له خلال الاحتجاجات.
إننا نطالب بكشف الحقيقة كاملة بشأن عمليات القتل والاعتداءات التي طالت المتظاهرين، وإعلان نتائج التحقيقات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء، بعيداً عن الحماية السياسية والإفلات من العقاب. كما نطالب بضمان الحقوق القانونية والمالية والصحية للجرحى، ورعاية المصابين الذين يحتاجون إلى علاج وتأهيل مستمرين، وإنصاف عائلات الشهداء وفق القانون، ومتابعة ملفاتهم بجدية وشفافية.
لا يجوز أن تبقى هذه القضية معلقة بين الوعود واللجان والإجراءات غير الواضحة. ومن حق عائلات الشهداء والجرحى أن تعرف ما أُنجز في ملفاتها، وما بقي منها، ومن المسؤول عن التأخير.
إن الوفاء لتشرين لا يكون بإحياء ذكراها مرة كل عام، بل بتحويل مطالبها إلى التزامات واضحة، وحقوق مصانة، وعدالة لا تستثني صاحب نفوذ ولا تتجاهل صوت مواطن ضعيف.
العراق أولاً… والقرار الوطني خط أحمر
نريد عراقاً مستقلاً في قراره، لا تابعاً لأي دولة شرقية أو غربية، ولا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. نريد علاقات دولية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع رفض كل تدخل ينتقص من سيادة العراق أو يضع قراره الوطني تحت ضغط الخارج.
إن العراق ليس ملكاً لحزب أو كتلة أو جماعة، وثرواته ليست غنيمة، ومؤسساته ليست ممتلكات خاصة. العراق وطن العراقيين جميعاً، ومن حق شعبه أن تكون مصلحته العليا هي الأساس في قرارات الدولة وسياساتها.
لا دولة مع تعدد مراكز السلاح والقرار
نطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة للقيادة الرسمية والقانون، وإنهاء أي وجود لقرار عسكري موازٍ لمؤسسات الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ أجندات خارجية.
إن هذه المطالبة ليست استهدافاً لمكوّن أو فئة اجتماعية، بل دفاع عن مبدأ أساسي: لا يمكن أن تقوم دولة مستقرة إذا كانت سلطتها الأمنية موزعة بين مراكز متعددة، أو إذا أصبح السلاح وسيلة للتأثير في القرار السياسي والاقتصادي.
الدولة وحدها يجب أن تحتكر استخدام القوة وفق القانون، وتحمي جميع العراقيين دون تمييز.
ثروات العراق ليست ملكاً للفاسدين
كيف يستمر العراق، بكل ما يمتلكه من ثروات وإمكانات، في مواجهة البطالة وتعثر الخدمات وضعف الإنتاج؟ وأين تذهب الأموال التي يفترض أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات ومصانع ومشاريع تنموية؟
نطالب بحماية المال العام، ومكافحة الفساد وتهريب الدولار وغسل الأموال وتزوير العملة والتلاعب بالتحويلات المالية، وفرض رقابة حقيقية على الإنفاق والعقود الحكومية. كما نطالب بكشف المتورطين في التجاوزات المالية ومحاسبتهم واسترداد الأموال التي يثبت الاستيلاء عليها بصورة غير قانونية.
إن تهريب الأموال والتلاعب بالعملة ليسا مجرد مخالفات بعيدة عن حياة الناس؛ فآثارهما تنعكس على الأسعار والاستثمار والقوة الشرائية وفرص العمل. ولهذا يجب أن تكون الرقابة والمحاسبة فعليتين، لا مجرد تصريحات تتكرر عند كل أزمة.
نريد اقتصاداً ينتج… لا بلداً يستهلك فقط
نطالب بإعادة تأهيل المصانع والشركات العراقية المتوقفة، وتحديثها، ودعم الإنتاج المحلي، ووضع خطة وطنية تعيد للصناعة والزراعة دورهما في الاقتصاد.
كما نطالب بدعم الفلاحين، وتطوير أنظمة الري، وتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي، وحماية تسويق المحاصيل العراقية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد في المنتجات التي يمكن إنتاجها محلياً بكفاءة وجودة مناسبتين.
أما آلاف الخريجين والعاطلين عن العمل، فلا يجوز أن تبقى طاقاتهم العلمية معطلة بينما تتراجع فرصهم في بناء مستقبلهم. نريد خطة تشغيل حقيقية، واستثمارات منتجة، ودعماً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وفرصاً عادلة تقوم على الكفاءة والحاجة الفعلية، لا المحسوبية والانتماء الحزبي.
إن الشباب الذين يملكون العلم والطاقة ليسوا عبئاً على العراق؛ إنهم أحد أهم موارده التي يجب أن تستثمرها الدولة.
الكهرباء والماء والبنى التحتية حقوق للمواطن
نطالب بخطة معلنة لتحسين الكهرباء، وتأمين مياه الشرب النظيفة، وتطوير شبكات الصرف الصحي والطرق والخدمات الأساسية، والتعاقد مع شركات رصينة وفق معايير فنية ومالية شفافة.
نريد عقوداً منشورة، ومواعيد تنفيذ محددة، ورقابة مستقلة، ومحاسبة لكل من يثبت تورطه في الفساد أو الغش أو تعطيل المشاريع. فالمشاريع العامة ليست منصات للدعاية، وأموالها ليست مجالاً للمساومات، والخدمات ليست منّة من مسؤول على المواطن.
المنافذ الحدودية للدولة لا للمتنفذين
نطالب بفرض سيطرة مؤسسات الدولة على جميع المنافذ الحدودية، وإنهاء أي تدخل غير قانوني في إدارتها، ومكافحة التهريب والجباية غير المشروعة، وتطوير الأنظمة الجمركية والرقابة المالية.
إن المنافذ الحدودية موارد سيادية يجب أن تدخل إيراداتها إلى خزينة الدولة وفق القانون، وأن تخضع إدارتها للمحاسبة والرقابة، بعيداً عن نفوذ الأحزاب والجماعات المسلحة وأصحاب المصالح الخاصة.
القضاء المستقل ومحاسبة الفاسدين
لا يمكن إصلاح الدولة من دون قضاء مستقل يحمي الحقوق ويحاسب المتجاوزين. لذلك نطالب بتعزيز استقلال القضاء، وحمايته من الضغوط السياسية والمالية، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة، وضمان محاكمات عادلة لا تستثني مسؤولاً بسبب منصبه أو نفوذه.
ونطالب بمحاسبة الفاسدين وإحالة المتهمين إلى القضاء المختص، واسترداد الأموال العامة، وكشف مصير القضايا الكبرى التي تمس ثروات العراق وحقوق مواطنيه.
كما نطالب بكشف نتائج التحقيقات في الاعتداءات على المتظاهرين، وضمان متابعة ملفات الشهداء والجرحى حتى تتحقق العدالة وفق القانون.
القوات المسلحة درع العراق وسيادته
نطالب بدعم القوات المسلحة العراقية ووزارتي الدفاع والداخلية، وتطوير قدراتهما المهنية والتقنية، وتعزيز حماية الحدود والأجواء والمياه الإقليمية.
ونريد مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية، ولاؤها للدستور والعراق، تعمل بعيداً عن التسييس والولاءات الحزبية، وتحمي المواطنين وسيادة البلاد وتخضع لسلطة الدولة والقانون.
كفى امتيازات على حساب المال العام
نطالب بمراجعة رواتب الدرجات الخاصة والامتيازات المالية والتقاعدية للمسؤولين والنواب وأعضاء مجالس المحافظات، والتدقيق في كُلفتها وأسس استحقاقها، وإلغاء ما لا يستند إلى مبرر قانوني مشروع.
كما نطالب بمراجعة التقاعد الاستثنائي الممنوح للمسؤولين منذ عام 2003، ووضع معايير عادلة وموحدة تضمن عدم استنزاف الموازنة في امتيازات غير مبررة، مع اتخاذ التعديلات القانونية اللازمة حيث يتطلب الأمر ذلك.
وندعو إلى تقييم أداء مجالس المحافظات وكُلفتها، وطرح مسألة إلغائها عبر المسار الدستوري والتشريعي الصحيح إذا ثبتت جدوى هذا الخيار.
مراجعة ملف رفحاء والتعويضات والرواتب
نطالب بمراجعة قانونية ومالية شفافة لملف رواتب وتعويضات رفحاء، والتدقيق في أسماء المستفيدين والاستحقاقات، والتحقق من أي أسماء وهمية أو حالات تزوير أو ازدواج في الصرف، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
كما نطالب بإعادة تقييم الأسس القانونية والمالية لهذه التعويضات، وضمان عدم استغلالها سياسياً أو حزبياً، مع احترام الحقوق التي يثبت استحقاقها قانوناً، وعدم تعميم المسؤولية على جميع المستفيدين بسبب مخالفات محتملة يرتكبها بعض الأفراد.
إن مبدأنا واضح: لا أموال عامة بلا رقابة، ولا امتيازات بلا أساس قانوني، ولا محاسبة انتقائية تحمي طرفاً وتستهدف آخر.
تجديد الوقفة… تجديد العهد مع العراق
إن تجديد الوقفة الاحتجاجية يوم الأحد 25 تشرين الأول 2026 هو تجديد للعهد مع شهداء تشرين وجرحاها، ومع كل عراقي ما زال ينتظر دولة تحترم حقوقه وتحمي مستقبله.
نريد وقفة سلمية واضحة المطالب، مستقلة عن المصالح الحزبية، ترفع صوت المواطن وتطالب بإجراءات عملية وجداول زمنية معلنة، وتتابع التنفيذ والمحاسبة، ولا تكتفي بالوعود.
إن مطالبنا ليست امتيازات خاصة، بل حقوق وطنية: استقلال القرار، وحصر السلاح بيد الدولة، وحماية الثروات، وإحياء الصناعة والزراعة، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، واستقلال القضاء، ومراجعة الامتيازات المالية، وإنصاف شهداء تشرين وجرحاها.
تشرين لم تكن من أجل أن تتغير الوجوه وتبقى الأزمات؛ كانت من أجل أن تتغير طريقة إدارة الدولة، وأن يصبح القانون فوق الجميع، وأن تعود ثروات العراق لخدمة شعبه.
فلنستذكر الشهداء بما يليق بتضحياتهم، ولنقف إلى جانب الجرحى بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم، ولنواصل والمطالبة بوطن لا يضطر أبناؤه إلى التضحية كي يحصلوا على أبسط حقوقهم.
المجد لشهداء تشرين الأبرار، والإنصاف لجرحاها، والكرامة لشعب العراق.
عراق مستقل القرار، موحد السيادة، محمي الثروات، عادل القضاء، قوي بمؤسساته، كريم بأبنائه.
تشرين تعود… والمطالب لم تسقط!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن