بقلم: محمد إبراهيم
تتعرض القضايا التاريخية المتعلقة بالهويات القومية، ورسم الحدود، وتطور المجتمعات في الشرق الأوسط لعمليات تزييف وتسييس متكررة. وفي الساحة السورية والإقليمية، تبرز من وقت لآخر أطروحات تحاول إنكار التجذر التاريخي للشعب الكوردي في جغرافيا كوردستان التاريخية، وتحديداً في أجزائها الملحقة بالكيان السوري الحديث. تسعى هذه الطروحات الداحضة للتاريخ إلى تصوير الكورد وكأنهم مكون طارئ أو مجرد مجموعات من اللاجئين الوافدين عقب قمع الثورات الكوردية في تركيا الحالية في عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي.
إن القراءة العلمية والأكاديمية لتاريخ المشرق تؤكد بطلان هذه الرؤى الشوفينية. فالوجود الكوردي في المشرق لا يمكن فصله عن الجغرافيا الممتدة لسلاسل جبال زاغروس وطوروس وأعالي الرافدين وشمال بلاد الشام. يمتد هذا التاريخ عبر ألفيات من الزمن: من فجر الحضارات القديمة (كالحورية والميتانية والميدية)، مروراً بالإمارات الإسلامية والدور الأيوبي الناصع، وصولاً إلى تحولات اتفاقيات قصر شيرين، وسايكس بيكو، وسيفر، ولوزان، والتي رسمت الحدود السياسية المصطنعة الحالية وقسّمت كوردستان بين أربع دول رئيسية (تركيا، إيران، العراق، وسوريا).
إن الحدود السياسية الراهنة في الشرق الأوسط هي وليدة اتفاقيات استعمارية لم يمضِ على تشكيلها سوى قرن واحد من الزمن. ومحاولة إسقاط هذه الحدود المصطنعة على التاريخ القديم لتجريد شعب أصيل من أرضه وتاريخه هي مغالطة تاريخية وجغرافية جسيمة.
الجذور الحضارية القديمة للشعب الكوردي (ما قبل الميلاد)
لم تكن جغرافيا جبال زاغروس وطوروس وسهول الميزوبوتاميا الشمالية مجرد مناطق عبور مؤقت للقبائل الكوردية، بل كانت المهد الحضاري والعرقي لنشوء أجداد الكورد. ترجع أصول الكورد إثنياً ولغوياً إلى الشعوب الهندوأوروبية, التي استقرت في هذه المنطقة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد.
الكوتيون والكاشيون:
في الألفيتين الثالثة والثانية قبل الميلاد، شهدت جبال زاغروس ظهور مجتمعات وشعوب جبلية مقاتلة ومستقرة، مثل الكوتيين والكاشيين والتيليين. استطاعت هذه الشعوب التأثير المباشر على المجرى الحضاري في بلاد ما بين النهرين، بل إن الكاشيين حكموا بابل لأكثر من أربعة قرون. يُعتبر هؤلاء السلف الجغرافي والإثني الأول الذي تشكلت منه النواة العشائرية والاجتماعية للقبائل الكوردية التاريخية.
الحضارة الحورية والمملكة الميتانية (1500-1300 ق.م)
استوطن الحوريون المناطق الشمالية لبلاد ما بين النهرين وشمال سوريا الحالية (مناطق الجزيرة وعفرين وشمال حلب). أسس الحوريون بالتضامن مع العناصر الآرية الوافدة المملكة الميتانية العظمى، والتي اتخذت من مدينة واشوكاني, قرب مدينة رأس العين / سري كانيه حالياً في شمال شرق سوريا عاصمة لها.
تركت الحضارة الميتانية والحورية أثراً عميقاً في الأسماء الجغرافية والعادات والتقاليد واللغة الكوردية. وتُعد هذه الفترة دليلاً تاريخياً دامغاً على قدم التواجد الحضاري لأجداد الكورد في الشمال السوري والجزيرة الفراتية (غرب كوردستان) قبل ظهور الحدود السياسية الحالية بألفي سنة.
الإمبراطورية الميدية (678- 549 ق.م)
تُجمع الأدبيات التاريخية والقومية على أن الميديين يمثلون الركيزة الأساسية والعمود الفقري للهوية القومية الكوردية.
نجح الميديون في توحيد القبائل الجبلية في منطقة إكباتانا (همدان الحالية في إيران) وتأسيس إمبراطورية قوية. في عام 612 قبل الميلاد، أقام الميديون تحالفاً عسكرياً تاريخياً مع البابليين وأسقطوا الإمبراطورية الآشورية وعاصمتهم نينوى، وبسطوا نفوذهم على مساحات شاسعة امتدت من إيران حتى الأناضول وشمال الشام.
يُعتبر يوم سقوط نينوى وقيام الدولة الميدية بداية التقويم الكوردي الرسمي والأصل التاريخي لعيد النوروز (الرأس السنة الكوردية)، والذي يرمز للحرية والانبعاث.
الحقبة الإسلامية والإمارات الكوردية المستقلة
مع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، اعتنق الكورد الإسلام ولعبوا أدواراً حاسمة في حماية ثغور الدولة الإسلامية ومواجهة الأخطار الخارجية كالصليبيين والمغول.
الدولة الأيوبية والدور الكوردي في بلاد الشام ( 1171-1260 م)
تُعتبر الحقبة الأيوبية العصر الذهبي للوجود الكوردي السياسي والعسكري في المشرق العربي والإسلامي. أسس هذه الدولة القائد الفذ صلاح الدين الأيوبي، والذي استطاع توحيد مصر والشام والحجاز والجزيرة الفراتية تحت راية واحدة لمواجهة الغزو الصليبي حرر على إثرها القدس عام 1187 م.
استند الأيوبيون إلى العشائر والقيادات العسكرية الكوردية لإدارة وتأمين بلاد الشام ومصر، واستقر الآلاف من الجنود والعلماء الكورد في المدن السورية الكبرى.
حي الأكراد في دمشق: يُعد حي الركن الدين المعروف تاريخياً بحي الأكراد, القابع على أقدام جبل قاسيون في دمشق شاهداً حياً على التجذر الكوردي. أسسه الجنود والأمراء الأيوبيون والمماليك الكورد منذ أكثر من 800 عام، ولا يزال يحتفظ بهويته التاريخية حتى اليوم.
الإمارات الكوردية في العهود العباسية والعثمانية:
خلال فترات ضعف الخلافة المركزية، أنشأ الكورد إمارات وحكومات ذاتية أدارت شؤونهم بنجاح:
الإمارة الشدادية ( 951 -1199 م): حكمت أجزاء من أرمينيا وأذربيجان وشمال كوردستان، وخرجت منها قيادات عظمى منها والد صلاح الدين الأيوبي وعمه.
الإمارة المروانية (983-1085م): تأسست في ديار بكر وامتدت إلى ميافارقين و نصيبين والجزيرة الفراتية، وشهدت نهضة عمرانية وثقافية كبيرة.
الإمارة الحسنوية( 959-1015 م) : قامت في جبال زاغروس الوسطى (كرمانشاه ولورستان).
إمارات بوتان وسوران وبابان وبهدينان: إمارات كوردية بارزة حافظت على الحكم الذاتي في العهد العثماني وأدارت مناطق جزيرة ابن عمر والسليمانية وأربيل ودهوك، حتى قامت السلطنة العثمانية بإلغائها في القرن التاسع عشر ضمن سياسات التمركز الإداري.
محطات التقسيم التاريخي لكوردستان
نتيجة للموقع الجيوسياسي الفائق الأهمية لجغرافية كوردستان بين الإمبراطوريات المتصارعة، خضعت كوردستان والشعب الكوردي لمرحلتين رئيسيتين من التقسيم:
معركة جالديران (1514م) واتفاقية قصر شيرين (1639 م)
شهد القرن السادس عشر أول تقسيم رسمي لكوردستان نتيجة الصراع العسكري والديني بين الإمبراطورية العثمانية (السنية) بقيادة السلطان سليم الأول والإمبراطورية الصفوية (الشيعية) بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي.
بعد هزيمة الصفويين في معركة جالديران عام 1514 م بمساعدة تحالف الأمراء الكورد بقيادة الملا إدريس البدليسي، ثُبتت الحدود بين الطرفين بموجب معاهدة قصر شيرين عام 1639 م. بموجب هذه المعاهدة، أُلحق الجزء الشرقي (شرق كوردستان / روجهلات) بـ الفارسية، بينما خضع الجزء الأكبر للإمبراطورية العثمانية.
اتفاقية سايكس- بيكو(1916م)
خلال الحرب العالمية الأولى، وقّعت بريطانيا وفرنسا اتفاقاً سرياً لتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية المنهارة. قسّمت الاتفاقية الجزء العثماني من كوردستان إلى منطقتي نفوذ: نفوذ بريطاني في الجنوب (العراق لاحقاً)، ونفوذ فرنسي في الوسط والغرب (سوريا لاحقاً).
من معاهدة سيفر (1920 م) إلى معاهدة لوزان (1923 م)
اعترفت معاهدة سيفر (المواد 62 و63 و64) بصورة صريحة بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره وإنشاء دولة كوردية مستقلة على أراضيه التاريخية في الأناضول ولواحقها.
ومع ذلك، أدى صعود الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وتغير موازين القوى الدولية إلى إجبار الدول الاستعمارية على التراجع. تم استبدال سيفر بـ معاهدة لوزان عام 1923 م، والتي أجهضت الحلم الكوردي بالاستقلال وجرّدت الكورد من أي اعتراف بوجودهم القومي، مؤكدة تقسيم كوردستان بين أربع دول حديثة.
نشأة الدول الحديثة والواقع الكوردي فيها
توزع الشعب الكوردي عقب معاهدة لوزان بين أربع دول ذات أنظمة سياسية قومية ومركزيّة صارمة، وهي تركيا الحديثة, وسوريا الناشئة تحت الانتداب الفرنسي والعراق الحديث تحت الانتداب البريطاني والجزء الملحق بايران.
الكورد وتأسيس الدولة السورية الحديثة
تُعد الادعاءات التي تنفي الوجود الكوردي الأصيل في سوريا قراءة مجتزأة لتاريخ بناء الدولة الوطنية. لقد كانت سوريا الحالية بحدودها السياسية نتاج ترتيبات الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى. وقبل رسم هذه الحدود، كان الكورد جزأً لا يتجزأ من الموزاييك السوري، وقدموا تضحيات قيادية في النضال ضد الاستعمار وفي بناء المؤسسات الأولى للدولة.
قادة المقاومة والنضال الوطني ضد الاستعمار
يوسف العظمة( 1883-1920 م: وهو وزير الحربية السوري والذي أسس الجيش السوري و ينحدر من عائلة آل العظمة الكوردية الدمشقية. رفض الاستسلام للإنذار الفرنسي وقاد جيشاً متطوعاً صغيراً في معركة ميسلون عام 1920 م واستشهد في الميدان، ليصبح الرمز الأكبر للشرف العسكري والوطنية السورية.
إبراهيم هنانو (1869 -1935م ) زعيم كوردي ينحدر من قرى ريف حلب الكوردية، قاد ثورة الشمال السوري ضد القوات الفرنسية، وكان من أبناء الكتلة الوطنية وواضعي الدستور السوري عام 1930 م.
الشخصيات القيادية ورؤساء الدولة والوزراء الكورد:
محمد علي العابد: أول رئيس للجمهورية السورية 1932-1936م بعد إقرار الدستور، وهو ينحدر من أصول كردية دمشقية.
محسن البرازي: رئيس وزراء سوريا عام 1949 م ومفكر قانوني ينحدر من قبيلة البرازية الكوردية المنتشرة في كوباني وحماة.
حسني البرازي: رئيس وزراء سوريا 1942-1943 م وشخصية وطنية مرموقة.
حسني الزعيم: قائد الجيش السوري صاحب أول انقلاب عسكري في سوريا ورئيس الجمهورية عام 1949 م.
أديب الشيشكلي: ضابط كوردي من حماة تولى رئاسة الجمهورية السورية 1953- 1954 م.
صعود حزب البعث وسياسات التغيير الديمغرافي والتمييز القومي
شهدت ثمانينيات القرن الماضي تحولاً استراتيجياً في تعامل السلطة السورية مع المكون الكوردي. عقب انقلاب 1963 وتولي حزب البعث السلطة، جرى تغليب الأيدولوجيا الشوفينية الإقصائية على حساب الوطنية الجامعة.
تغيير اسم الدولة وهويتها
تغير الاسم الرسمي للدولة من الجمهورية السورية الى الجمهورية العربية السورية، مما اختزل هوية الوطن في مكون قومي واحد وألغى حقوق باقي القوميات الأصلية كالكورد والشركس والسريان وغيرهم.
الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في محافظة الحسكة
في 5 أكتوبر 1962، تم تنفيذ إحصاء جائر خلال يوم واحد فقط، تجرد بموجبه أكثر من 120 ألف كوردي سوري من جنسيتهم في لحظة واحدة بحجة وهمية تحتد بأنهم وافدون من تركيا.
فئة أجانب الحسكة: حُرموا من جميع الحقوق المدنية مثل حق التملك، العمل الحكومي، السفر، والحقوق السياسية.
فئة مكتومي القيد: فئة بدون أي وثائق رسمية، محرومون من أدنى الحقوق المدنية والصحية والتعليمية.
سياسات التعريب والطمس الثقافي
تم تعريب أسماء مئات القرى والمدن الكوردية, ديريك إلى المالكية، كوباني إلى عين العرب ، وحظر التحدث باللغة الكوردية في المدارس والمؤسسات الرسمية، وتجريم الاحتفال بأعياد النوروز.
يتضح جلياً من استعراض التاريخ أن محاولات حصر الوجود الكوردي في سوريا بحركة اللجوء عقب ثورة الشيخ سعيد البيراني 1925 م هي قراءة سطحية نابعة من عقلية شوفينية قائمة على فكرة إلغاء وجود الآخر وعدم تقبل الاختلاف. إن حركة العشائر والأفراد بين تركيا وسوريا إبان العشرينيات لم تكن سوى تنقل طبيعي داخل أجزاء الوطن الكوردستاني المقطع حديثاً وبين عوائل شُطرت أراضيها بفعل خطوط السكك الحديدية والحدود الاستعمارية.
الكورد في سوريا وفي المشرق عموماً هم شعب أصيل، صانع للحضارات القديمة، وركن أساسي من أركان التاريخ الإسلامي والوطني، وشريك حقيقي في تأسيس الدولة السورية الحديثة. وإن بناء مستقبل مستقر وعدل يستوجب قطع الطريق على الخطابات العنصرية والاعتراف بالشراكة الوطنية الكاملة والحقوق القومية المشروعة لجميع المكونات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن