لم يعد مقنعًا أن تختصر طهران استهداف إقليم كوردستان بوجود قواعد أميركية، أو مقرات للمعارضة الإيرانية، أو ادعاءات بوجود نشاط للموساد. قد تكون هذه الملفات موجودة فعلًا وتملك إيران بشأنها حساباتها الأمنية والسياسية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على العراقيين هو: لماذا تمتد الضربات إلى منشآت الطاقة والغاز التي لا علاقة لها مباشرة بهذه العناوين؟ ولماذا أصبح حقل كورمور ومنشآت النفط والغاز في إقليم كوردستان أهدافًا متكررة، في الوقت الذي يعاني فيه العراق من أزمة كهرباء وطاقة مزمنة؟
هنا تبدأ القصة التي لا تريد طهران أن تُقرأ خارج بياناتها العسكرية.
إقليم كوردستان ليس جزءًا من منظومة "ولاية الفقيه"، وهذه الحقيقة السياسية تمثل اختلافًا جوهريًا في المشهد العراقي. فالإقليم يمتلك مؤسسات محلية وأجهزة أمنية وحكومة وبرلمانًا واقتصادًا وعلاقات خارجية خاصة به، ولا يدور قراره السياسي ضمن منظومة النفوذ الإيراني بالطريقة التي تعمل بها قوى عراقية مسلحة مرتبطة بطهران.
لكن الأخطر من الاستقلال السياسي هو الاستقلال الاقتصادي.
فكوردستان طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة طاقة تعتمد بدرجة أكبر على مواردها المحلية وفي مقدمتها الغاز. وحقل كورمور ليس مجرد حقل غاز، بل أصبح جزءًا مهمًا من منظومة الكهرباء في الإقليم والعراق.
وفي يوليو 2026 حذرت وزارة الكهرباء العراقية من أن توقف إمدادات الغاز من حقل كورمور يمكن أن يؤدي إلى فقدان نحو 1400 ميغاواط من الشبكة الوطنية. وهذا يعني أن استهداف منشأة في كوردستان لا يبقى أثره داخل حدود الإقليم، بل يمتد إلى الكهرباء العراقية نفسها.
إذن نحن أمام مفارقة صارخة؛ العراق يستورد الطاقة من الخارج وفي الوقت نفسه يمتلك داخل أراضيه موارد غازية يمكن أن تساعده على إنتاج الكهرباء. إيران تبيع العراق الغاز والكهرباء، بينما توجد داخل العراق حقول غاز يمكن تطويرها لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
فأي نموذج يخدم استقلال العراق أكثر؟
السؤال ليس اتهامًا بلا دليل بأن إيران تضرب كورمور من أجل منع العراق من إنتاج الغاز، لكن من حق العراقي أن يسأل: لماذا تصبح منشأة غازية حيوية للعراق هدفًا، في الوقت الذي يحاول فيه العراق تقليل اعتماده على استيراد الطاقة؟
لقد تعرض كورمور لهجمات متكررة وأدى استهدافه إلى توقف إنتاج الغاز وانخفاض إنتاج الكهرباء، وهذه ليست ضربة تصيب كوردستان وحدها، بل ضربة تصيب العراق كله.
ومن هنا يجب أن يتوقف العراقي طويلًا أمام السؤال: من المستفيد من بقاء العراق محتاجًا إلى الطاقة المستوردة؟ من المستفيد من تعطيل الغاز العراقي؟ من المستفيد من بقاء محطات الكهرباء مرتبطة بالغاز القادم من الخارج؟ ومن المستفيد من بقاء العراق سوقًا هائلة للسلع والمنتجات بدل أن يتحول إلى دولة منتجة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات مذهبية ولا إلى مزايدات قومية؛ تحتاج إلى قراءة المصالح.
العراق بلد يمتلك النفط والغاز والأراضي الزراعية والمياه والموارد البشرية والثروات المعدنية وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، ومع ذلك بقيت الصناعة العراقية متراجعة، والزراعة تعاني، والمصانع متوقفة، والكهرباء أزمة دائمة، والاقتصاد يعتمد على النفط والاستيراد.
أين ذهبت دولة المليارات؟ وأين ذهبت ثروات العراق؟ ولماذا لم يتحول العراق إلى دولة صناعية وزراعية وطاقوية إقليمية رغم كل هذه الموارد؟
المشكلة ليست أن إيران تبيع العراق، المشكلة أن العراق أصبح يحتاج إلى الشراء.
إيران ليست مطالبة بأن تتوقف عن بيع منتجاتها، لكن العراق ليس مطالبًا بأن يبقى زبونًا دائمًا.
العراق يستطيع أن ينتج غازه، ويستطيع أن ينتج كهرباءه، ويستطيع أن يعيد تشغيل مصانعه، ويستطيع أن يطور زراعته، ويستطيع أن يبني صناعات تحويلية تعتمد على النفط والغاز بدل تصدير المادة الخام ثم استيراد المنتجات المصنعة منها.
وهنا يصبح السؤال عن النفوذ الإيراني أكثر حساسّية.
فإذا نهض العراق اقتصاديًا فلن يبقى السوق المفتوحة نفسها أمام المنتجات الإيرانية، وإذا أنتج العراق الكهرباء من غازه فلن يحتاج إلى استيراد القدر نفسه من الغاز والكهرباء، وإذا أعاد تشغيل مصانعه فسيتراجع الاعتماد على المنتجات المستوردة، وإذا تطورت زراعته فسوف يتقلص استيراد الغذاء، وإذا امتلك العراق اقتصادًا منتجًا فسوف يصبح قراره السياسي أكثر استقلالًا.
هذه ليست نظرية مؤامرة، هذه قواعد الاقتصاد والسياسة.
لكن تحويلها إلى اتهام مباشر بأن إيران تتعمد تعطيل نهضة العراق يحتاج إلى أدلة مباشرة لا نملكها كلها. ما نملكه هو سلسلة من الوقائع التي تستحق التحقيق والسؤال: هجمات متكررة على منشآت الطاقة في كوردستان، وتعطيل الغاز، وخسائر كهربائية كبيرة، واستمرار حاجة العراق إلى الطاقة المستوردة، وفي المقابل استمرار ارتباط العراق اقتصاديًا وتجاريًا بإيران.
هنا يجب أن نسأل بلا خوف: هل يريد البعض عراقًا قويًا منتجًا مستقلًا؟ أم يريد عراقًا غنيًا بالنفط وفقيرًا في الصناعة؟ غنيًا بالغاز ومحتاجًا إلى الغاز؟ غنيًا بالمياه والأرض الزراعية ومستوردًا للغذاء؟ غنيًا بالجامعات والشباب ومستوردًا للتكنولوجيا والمنتجات؟ غنيًا بالثروة وفقيرًا في القرار؟
هذه هي المعضلة الحقيقية.
ولذلك فإن استهداف كوردستان لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية الصراع الإيراني الأميركي.
قد تكون لدى إيران مخاوف أمنية حقيقية من الوجود الأميركي، ومن نشاط المعارضة الإيرانية، ومن أي نشاط استخباري تعتبره تهديدًا لأمنها، لكن معالجة هذه الملفات لا تمنح أي دولة حق تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة للضربات العسكرية.
إذا كانت هناك قواعد أجنبية فالدولة العراقية هي التي تتعامل معها، وإذا كانت هناك جماعات إيرانية معارضة فالدولة العراقية هي التي تحدد موقفها منها وفق القانون والسيادة، وإذا كانت هناك أنشطة استخبارية أجنبية فهناك أجهزة الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية.
أما أن تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة للضربات الإيرانية أو الأميركية أو الإسرائيلية فهذا يعني أن السيادة العراقية أصبحت مجرد شعار.
والأخطر أن تتحول المنشآت الاقتصادية العراقية إلى أهداف في حرب ليست حرب العراق.
العراقي لا يريد حربًا مع إيران، ولا يريد حربًا مع أميركا، ولا يريد حربًا مع إسرائيل. العراقي يريد كهرباء، ويريد ماءً، ويريد مصنعًا يعمل، ويريد أرضًا زراعية منتجة، ويريد جامعة محترمة، ويريد مستشفى، ويريد وظيفة، ويريد دولة تمنع الآخرين من تحويل أرضه إلى ساحة لتصفية حساباتهم.
لقد آن الأوان لأن يتوقف العراق عن لعب دور السوق؛ العراق يجب أن يصبح منتجًا.
وآن الأوان لأن يتوقف عن استيراد ما يستطيع إنتاجه، وأن يستثمر غازه بدل أن يحرقه أو يستورد الغاز لتشغيل محطاته، وأن يعيد تشغيل مصانعه، ويعيد بناء زراعته، ويطور موارده البشرية.
فالدولة التي تنتج طاقتها تستطيع أن تفاوض، والدولة التي تنتج غذاءها تستطيع أن تقاوم الضغط، والدولة التي تنتج صناعتها تستطيع أن تستغني عن الابتزاز، والدولة التي تحمي ثرواتها تستطيع أن تحمي قرارها.
أما الدولة التي تعتمد على الخارج في كهربائها وغذائها وصناعتها وسوقها، فإن استقلالها السياسي يبقى ناقصًا مهما رفعت من شعارات السيادة.
ولهذا فإن السؤال عن كوردستان ليس سؤالًا كورديًا.. إنه سؤال عراقي.
وحماية كورمور ليست دفاعًا عن حقل غاز في كوردستان فقط، إنها دفاع عن حق العراق في إنتاج طاقته، والدفاع عن الطاقة هو دفاع عن الاقتصاد، والدفاع عن الاقتصاد هو دفاع عن القرار، والدفاع عن القرار هو جوهر السيادة.
لقد استخدمت طهران عناوين الأمن والوجود الأميركي والمعارضة والموساد لتبرير عملياتها، لكن العراق من حقه أن يطرح أسئلة أخرى:
لماذا تُضرب منشآت الطاقة العراقية؟
لماذا يُعطل الغاز الذي يمكن أن ينتج كهرباء للعراقيين؟
لماذا يبقى العراق مستوردًا للطاقة وهو يمتلك مواردها؟
ومن المستفيد من عراق يبقى مستهلكًا بدل أن يصبح منتجًا؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى صراخ، تحتاج إلى شجاعة.
فالعراق لا يحتاج وصيًا على ثروته، ولا يحتاج دولة مجاورة تقرر له ماذا ينتج وماذا يستورد، ولا يحتاج ميليشيات تحمل السلاح خارج قرار الدولة، ولا يحتاج أن يكون تابعًا لطهران أو واشنطن أو أنقرة أو أي عاصمة أخرى.
العراق يحتاج شيئًا واحدًا: أن يكون العراق دولة.
كوردستان قلب العراق
وفي النهاية يجب أن نقولها بلا تردد ولا حسابات سياسية ضيقة: كوردستان عراقية، وأهل كوردستان عراقيون، وأرض كوردستان جزء من أرض العراق، وما يصيبها يصيب العراق كله.
لسنا أمام شعب غريب يعيش في أرض غريبة حتى نقف متفرجين على القصف والاعتداءات المتكررة؛ إنهم أهلنا.
هم عراقيون مثلنا، لهم في هذا الوطن ما لنا وعليهم ما علينا، ودم العراقي في أربيل والسليمانية ودهوك لا يختلف عن دم العراقي في بغداد والنجف وكربلاء والبصرة والموصل والأنبار.
لا يوجد عراقي من الدرجة الأولى وعراقي من الدرجة الثانية.
ولا توجد محافظة عراقية يجوز الاعتداء عليها لأن أهلها الكورد، أو لأن حكومتها تختلف سياسيًا مع هذه الدولة أو تلك.
حين تسقط قذيفة على أرض كوردستان فهي تسقط على أرض العراق، وحين تستهدف منشأة في كوردستان فهي منشأة عراقية، وحين يُقتل مواطن كوردي فهو مواطن عراقي يُقتل على أرض وطنه، وحين تُهدد أربيل أو السليمانية أو دهوك، فإن بغداد والبصرة والنجف وكربلاء والموصل وكل مدن العراق يجب أن تشعر بأنها مهددة.
العراق لا يتجزأ في السيادة كما لا يتجزأ في الكرامة.
لقد عانى العراق طويلًا من التدخلات الخارجية، ومن الحروب بالوكالة، ومن تحويل أرضه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين، ولا يجوز أن نستمر في قبول هذا الواقع.
من يريد مواجهة خصومه فليواجههم خارج الأراضي العراقية، ومن لديه خلاف مع دولة أخرى فليحل خلافه بعيدًا عن المدن العراقية. أما أن يصبح العراق ساحة مفتوحة للصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات العسكرية، فهذا انتهاك لسيادته وكرامة شعبه.
وهنا تقع المسؤولية على الحكومة العراقية.
ليس المطلوب منها أن تدخل حربًا مع أحد، المطلوب منها أن تقوم بواجبها كحكومة عراقية، وأن تقول لكل من يعتدي على أرض العراق: هذه أرض عراقية ولن تكون ساحة لحروب الآخرين.
وعليها أن تستنكر الاعتداءات المتكررة على إقليم كوردستان، وأن تتحرك دبلوماسيًا وسياسيًا وقانونيًا لوقفها، وأن تحمي مواطنيها ومنشآتها وأرضها، وأن تثبت أن السيادة العراقية ليست شعارًا يُرفع في البيانات ثم يُنسى عند أول اختبار.
لقد آن الأوان أن يشعر الكوردي في أربيل بأن بغداد تقف معه، وأن يشعر العربي في بغداد بأن أربيل تقف معه، وأن يشعر كل عراقي بأن وطنه واحد، وأن الاعتداء على جزء منه اعتداء على الجميع.
نحن لا نحتاج إلى عراقَين لكي نحمي العراق.. نحتاج إلى عراق واحد.
عراق لا يُسأل فيه المواطن عن قوميته عندما يُقتل، ولا عن مذهبه عندما يُعتدى عليه، ولا عن مدينته عندما تُقصف.
يكفي أنه عراقي.
كوردستان عراقية، وأهلها عراقيون، وأرضها عراقية، وأمنها من أمن العراق، وكرامتها من كرامة العراق.
ومن هنا فإن الدفاع عن كوردستان ليس دفاعًا عن حزب أو حكومة أو قومية؛ إنه دفاع عن العراق. والسكوت عن الاعتداء على جزء من الوطن ليس حيادًا، إنه تنازل عن الوطن قطعة بعد قطعة. العراق وطن واحد، وسيادة واحدة، وكرامة واحدة.
((المقالات المنشورة تعبر عن آراء كُتّابها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر المؤسسة الإعلامية))
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن