يمتلك العراق ثروة نفطية هائلة، لكنه ما زال يواجه أزمات مالية وضغوطاً على سعر الصرف وبطالة بين الخريجين وضعفاً في الإنتاج المحلي. وبينما تتدفق إيرادات النفط إلى خزينة الدولة، تتضخم النفقات الجارية وتتراكم الالتزامات، ويبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابة عنه: أين تذهب ثروات بلادهم؟
إن المشكلة لا تتعلق بنقص الموارد وحده، بل بأولويات الإنفاق وطريقة إدارة المال العام. فالدولة التي تعجز عن توفير فرص العمل لشبابها مطالبة بمراجعة نفقاتها وامتيازاتها قبل أن تطلب من المواطنين المزيد من الصبر والتضحيات.
أولاً: مجالس المحافظات وكلفة الإدارة السياسية
تستحق مجالس المحافظات مراجعة شاملة لتحديد جدواها وكلفتها المالية والإدارية. فالمطلوب معرفة إجمالي ما يُنفق على الرواتب والمخصصات والمكاتب والحمايات والسيارات، ومقارنة هذه الكلفة بالنتائج التي تحققت في الخدمات والرقابة المحلية.
إن إلغاء هذه المجالس، إذا ثبتت عدم جدواها وتوافرت له المعالجة القانونية اللازمة، يجب أن يكون جزءاً من نقاش جاد حول تقليص الحلقات الإدارية غير الضرورية ومنع ازدواج الصلاحيات، مع الحفاظ على الرقابة المحلية وحقوق المواطنين في المشاركة والمساءلة.
ثانياً: رواتب الدرجات الخاصة ومخصصات المسؤولين
لا يمكن الحديث عن إصلاح مالي حقيقي فيما تبقى كلفة الامتيازات العليا بعيدة عن مراجعة شفافة. المطلوب نشر بيانات الرواتب والمخصصات والمنافع الإضافية للدرجات الخاصة، ومراجعة الاستحقاقات غير المبررة قانونياً، ودراسة خفض المخصصات الحكومية العليا إلى النصف حيث يسمح القانون.
فإذا كانت الدولة تطلب من المجتمع تحمل أعباء الأزمة، فعليها أن تبدأ بتقليص النفقات غير الضرورية في قمة الهرم الإداري والسياسي.
ثالثاً: تقاعد النواب منذ أول دورة نيابية
يجب فتح ملف الرواتب التقاعدية لأعضاء مجلس النواب منذ أول دورة نيابية، ونشر العدد الإجمالي للمستفيدين والكلفة السنوية والأسس القانونية لاحتساب استحقاقاتهم.
ليس المطلوب المساس بحقوق يضمنها القانون، وإنما التحقق من عدالة المعايير ومنع الاستحقاقات المزدوجة غير المشروعة وتصحيح أي صرف لا يستند إلى أساس قانوني.
فلا يجوز أن يخضع المواطن لقواعد تقاعدية محددة، بينما تبقى الامتيازات الخاصة بمنأى عن التدقيق والمراجعة.
رابعاً: ملف رفحاء وضرورة الشفافية المالية
يحتاج ملف رواتب وتعويضات محتجزي رفحاء إلى كشف رسمي يوضح عدد المستفيدين والكلفة السنوية والأسس القانونية للاستحقاقات وآليات التحقق منها.
إن المطالبة بالتدقيق لا تعني استهداف المستفيدين أو إنكار حقوقهم القانونية، بل تعني إخضاع المال العام لمعايير موحدة من الشفافية والعدالة، والتأكد من عدم وجود ازدواج أو صرف غير مستحق.
ومن حق المواطن معرفة حجم الإنفاق في هذا الملف، كما أن من حق كل مستفيد حماية الاستحقاق الذي يقره القانون.
خامساً: السيارات الفارهة والمصفحة
كم تمتلك الوزارات والهيئات الحكومية من السيارات الفارهة والمصفحة؟ وكم بلغت كلفة شرائها وصيانتها وتشغيلها؟ وكم سيارة أصبحت فائضة عن الحاجة الفعلية؟
المطلوب جرد مركزي شامل، وبيع السيارات الفائضة من خلال مزادات علنية، وتقليص النفقات غير الضرورية، مع الاحتفاظ بالمركبات التي تفرضها المهام الرسمية والضرورات الأمنية.
إن هذه الخطوة لن تحل الأزمة المالية وحدها، لكنها تمثل جزءاً من سياسة أوسع لوقف الهدر وإخضاع المشتريات الحكومية للرقابة.
سادساً: الدولار والتهريب والاقتصاد الموازي
إن الضغوط على سعر الدولار لا يمكن اختزالها في سبب واحد، فهي ترتبط بإيرادات النفط والطلب على العملة الأجنبية والقيود المصرفية والتحويلات التجارية والظروف الإقليمية.
لكن تهريب العملة وغسل الأموال والتلاعب بالفواتير، متى ثبتت، تمثل ملفات خطيرة تستوجب التحقيق والمحاسبة. وعلى الجهات المختصة نشر نتائج التحقيقات المعلنة، وتشديد الرقابة على التحويلات المشبوهة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون، من دون اتهامات جزافية أو استثناءات سياسية.
سابعاً: الاقتراض ليس بديلاً عن الإصلاح
إن اللجوء إلى الاقتراض لتغطية النفقات الجارية المتكررة، من دون معالجة أسباب العجز، قد ينقل الأزمة إلى المستقبل ويزيد أعباء خدمة الدين على الموازنات المقبلة.
ولهذا يجب إعلان حجم أي اقتراض وشروطه وأغراضه، والتمييز بين التمويل المخصص لمشاريع إنتاجية قابلة للاستدامة والتمويل الذي يذهب إلى نفقات لا تولد إيرادات جديدة.
فالعراق لا يحتاج إلى تأجيل أزمته المالية، بل إلى معالجة جذورها.
الخلاصة: افتحوا دفاتر الإنفاق أمام العراقيين
نطالب الحكومة ووزارة المالية وديوان الرقابة المالية بنشر بيانات واضحة عن كلفة مجالس المحافظات، ورواتب الدرجات الخاصة، والتقاعد النيابي، وملف رفحاء، ومخصصات المسؤولين، والسيارات الحكومية، والتحويلات المالية المشبوهة.
لا نريد تقديرات تُقدم على أنها حقائق، بل أرقاماً رسمية قابلة للتدقيق، وخطة زمنية معلنة، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
فالثروة النفطية ليست ملكاً للحكومات المتعاقبة، بل ثروة وطنية يجب أن تتحول إلى تنمية وفرص عمل ومستقبل أفضل للأجيال.
ويبقى السؤال: إذا كانت الدولة بحاجة إلى المال، فلماذا لا تبدأ بمراجعة نفقاتها وامتيازاتها قبل أن تحمل المجتمع أعباء التقشف والاقتراض؟
في الجزء الثاني: كيف نحول الأموال التي يمكن توفيرها إلى مصانع ومصافٍ وبتروكيماويات وزراعة وفرص عمل للخريجين؟.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن