تُعدّ ظاهرة العنف الأسري من القضايا الاجتماعية المهمة التي تستدعي وقفة جادة ومسؤولة من مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع العراقي، لما تتركه من آثار نفسية واجتماعية وإنسانية تنعكس بصورة مباشرة على استقرار الأسرة وتماسك المجتمع. فالأسرة هي النواة الأساسية لبناء المجتمع، وكلما توافرت فيها أجواء المحبة والتفاهم والاحترام، انعكس ذلك إيجاباً على تنشئة الأجيال وترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية.
إن ظاهرة العنف الأسري تُعدّ من الممارسات الدخيلة على القيم الأصيلة للمجتمع العراقي، الذي عُرف عبر تاريخه بالتكافل الاجتماعي والتراحم والتضامن الأسري. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة كانت موجودة في مراحل سابقة، فإن استمرارها وما يُتداول من حالات بشأنها اليوم يفرضان ضرورة تعزيز الاهتمام بها، والبحث عن الحلول المناسبة التي تحدّ من انتشارها وتحمي أفراد الأسرة من مختلف أشكال الإساءة والعنف.
ولا يقتصر العنف الأسري على الاعتداء الجسدي فحسب، بل يشمل أيضاً العنف النفسي واللفظي والتهديد والإهانة والإيذاء المعنوي، فضلاً عن صور أخرى من الممارسات التي قد تترك آثاراً طويلة الأمد في نفوس المتضررين. وقد تكون النساء والأطفال من أكثر الفئات عرضة لبعض هذه الممارسات، الأمر الذي يستدعي توفير بيئة آمنة تحفظ حقوقهم وكرامتهم، وتضمن لهم الحماية اللازمة عند التعرض للإيذاء.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن آثارها لا تتوقف عند حدود المنزل، بل قد تمتد إلى المجتمع بأكمله، إذ يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية للأطفال، وتنعكس على تحصيلهم الدراسي وسلوكهم الاجتماعي، كما قد تؤدي إلى تفاقم الخلافات الأسرية وتراجع الشعور بالأمان والاستقرار. ولهذا، فإن التعامل مع العنف الأسري ينبغي ألا يكون مجرد استجابة مؤقتة لحالة معينة، بل جزءاً من سياسة مجتمعية متكاملة تقوم على الوقاية والتوعية والحماية والمساءلة.
وفي هذا السياق، تشير الإحصاءات المتداولة عن عام 2025 إلى تسجيل 36,289 حالة عنف أسري في العراق، وفقاً لما نُسب إلى المرصد العراقي لحقوق الإنسان. وتمثل هذه الأرقام مؤشراً يستدعي الاهتمام والمتابعة، مع ضرورة الرجوع إلى التقرير الأصلي لتحديد نطاق الحالات المسجلة والجهة التي وثّقتها، وعدم اعتبار الأرقام المعلنة حصراً شاملاً لجميع حالات العنف الأسري، إذ قد تتردد بعض الأسر في الإبلاغ عما تتعرض له بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية أو الضغوط العائلية أو عدم معرفة الإجراءات القانونية المتاحة.
وأمام هذه التحديات، تبرز أهمية الدور التشريعي لمجلس النواب العراقي الموقر، إلى جانب مسؤوليات الجهات الحكومية والمؤسسات المختصة، في دراسة الأطر القانونية الكفيلة بمواجهة العنف الأسري، والعمل على إقرار تشريعات واضحة توفر الحماية للمتضررين، وتحدد المسؤوليات والإجراءات اللازمة للتعامل مع الحالات، بما يحقق العدالة ويحافظ على حقوق جميع أفراد الأسرة.
إن وجود قانون متكامل لمناهضة العنف الأسري من شأنه أن يسهم في تنظيم آليات الإبلاغ والتدخل والحماية، ويوفر مسارات واضحة لمساعدة المتضررين، ويعزز التنسيق بين الجهات الأمنية والقضائية والاجتماعية والصحية. وينبغي أن تراعي أي تشريعات في هذا المجال خصوصية المجتمع العراقي وقيمه الأصيلة، مع ضمان عدم استخدام هذه الخصوصية مبرراً للتغاضي عن الإيذاء أو حرمان المتضررين من حقوقهم المشروعة.
كما أن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق السلطة التشريعية وحدها، بل تتطلب تعاوناً مستمراً بين الوزارات والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والجهات التربوية والإعلامية. فالقانون، مهما بلغت أهميته، يحتاج إلى برامج توعية فاعلة، وإجراءات تطبيقية واضحة، ومؤسسات قادرة على الاستجابة للشكاوى وتقديم الدعم اللازم للمتضررين.
وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى الجهود التي يبذلها جهاز الشرطة المجتمعية، أحد تشكيلات وزارة الداخلية العراقية، في مجال نشر الوعي والتعامل مع المشكلات الاجتماعية والأسرية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم بين أفراد المجتمع. وقد أسهمت الجهود التوعوية والمجتمعية التي تضطلع بها المؤسسات الأمنية المختصة في إبراز أهمية الوقاية من المشكلات الأسرية ومعالجتها بالوسائل المناسبة.
ومن الضروري مواصلة دعم هذه الجهود وتطويرها، من خلال تعزيز إمكانات الشرطة المجتمعية، وتوسيع نطاق حملاتها التوعوية، وتفعيل التعاون بينها وبين المؤسسات التعليمية والاجتماعية والصحية، فضلاً عن توفير برامج تدريبية متخصصة للتعامل مع الحالات التي تتطلب السرية والحساسية والسرعة في الاستجابة. كما أن وجود آليات واضحة للإحالة إلى الجهات المختصة يمكن أن يساعد في تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للمتضررين.
ومن جانب آخر، يتحمل الإعلام العراقي مسؤولية مهمة في تسليط الضوء على هذه القضية بمهنية وموضوعية، بعيداً عن الإثارة أو التشهير بالأسر والأفراد. فالإعلام الواعي قادر على نشر الثقافة القانونية، وتعريف المواطنين بطرق طلب المساعدة، وتشجيع المجتمع على رفض العنف بوصفه سلوكاً يضر بالإنسان والأسرة، مع احترام خصوصية الضحايا وعدم نشر ما يؤدي إلى كشف هوياتهم أو تعريضهم لمزيد من الأذى.
كذلك، ينبغي أن تحظى التوعية الأسرية باهتمام أكبر، من خلال إقامة الندوات والبرامج التثقيفية التي تعزز أساليب الحوار وحل الخلافات، وتعرّف الآباء والأمهات بطرق التعامل السليم مع الأبناء، وتؤكد أن التربية لا تقوم على التخويف والإهانة، بل على المسؤولية والتفاهم والاحترام المتبادل. فبناء أسرة مستقرة يتطلب وعياً مشتركاً بالحقوق والواجبات، وقدرة على معالجة الخلافات بعيداً عن الإيذاء والتعسف.
إن الوقاية من العنف الأسري تتطلب أيضاً الاهتمام بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي قد تزيد من حدة التوتر داخل بعض الأسر، من دون اعتبارها مبرراً لممارسة العنف. فمعالجة المشكلات المعيشية، وتوفير فرص الإرشاد الأسري، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الاجتماعية والنفسية، كلها خطوات يمكن أن تسهم في الحد من النزاعات وتوفير بيئة أكثر استقراراً.
ومن المهم كذلك تشجيع المتضررين على طلب المساعدة والإبلاغ عن حالات العنف عبر القنوات الرسمية المختصة، مع ضمان التعامل الجاد مع الشكاوى واحترام الخصوصية وتوفير الحماية اللازمة. كما ينبغي تعزيز الثقة بالمؤسسات المعنية، بحيث يشعر كل فرد بأن اللجوء إليها وسيلة مشروعة للحصول على الحماية والإنصاف، وليس سبباً إضافياً للخوف أو الضغط الاجتماعي.
إن معالجة العنف الأسري لا تعني إضعاف الروابط العائلية أو المساس بمكانة الأسرة، بل تهدف إلى حمايتها من الممارسات التي تهدد استقرارها، وترسيخ أسس العلاقة السليمة بين أفرادها. فالأسرة القوية ليست تلك التي تخلو من الخلافات، بل التي تستطيع التعامل مع خلافاتها بالحوار والاحترام، وتحفظ كرامة أفرادها وحقوقهم.
ختاماً، إن مواجهة العنف الأسري مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، تتطلب تضافر الجهود التشريعية والأمنية والاجتماعية والإعلامية، ودعم عمل الشرطة المجتمعية، وتعزيز الوعي بحقوق الإنسان داخل الأسرة. ومن هنا، فإننا نأمل من مجلس النواب العراقي الموقر والجهات ذات العلاقة إيلاء هذه القضية الأهمية التي تستحقها، والعمل على اتخاذ خطوات عملية تحدّ من هذه الظاهرة، وتحمي الأسرة العراقية، وتصون كرامة أفرادها، وتسهم في بناء مجتمع يسوده الأمن والاستقرار والتراحم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن