Erbil 28°C الأحد 25 تشرين الأول 21:33

حماية الطفل واجب وطني

ينبغي أن يتضمن أي قانون لحماية الطفل أحكاماً واضحة بشأن منع جميع أشكال العنف والاستغلال

ضرغام القاضي

تُعدّ حماية الأطفال من العنف والإيذاء والاستغلال من أهم القضايا الإنسانية والاجتماعية التي تستدعي اهتماماً واسعاً من مؤسسات الدولة والمجتمع، فالطفولة تمثل المرحلة الأساسية في بناء شخصية الإنسان وتكوين وعيه وسلوكه، والأطفال هم ثروة الوطن الحقيقية وأمله في مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. ومن هنا، فإن توفير بيئة آمنة لهم، وصون حقوقهم وكرامتهم، ليس مجرد واجب أخلاقي، بل مسؤولية وطنية وقانونية تتطلب عملاً جاداً ومستمراً.

إن ما يتعرض له بعض الأطفال من أعمال العنف والإيذاء، وما قد يصاحب ذلك من استغلال أو اعتداءات جنسية، يستدعي وقفة جادة ومسؤولة من الجهات المعنية، ولا سيما أن الأطفال قد يجدون صعوبة في التعبير عما يتعرضون له أو الدفاع عن أنفسهم، بسبب صغر أعمارهم واعتمادهم على الكبار في توفير الحماية والرعاية.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تقع في أماكن يُفترض أن يشعر فيها الطفل بالأمان، سواء داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي أو التعليمي. فالطفل يحتاج إلى بيئة تحترم إنسانيته، وتوفر له الشعور بالطمأنينة والثقة، بعيداً عن الخوف والإهانة والتهديد. وأي إخلال بهذه الحقوق قد يترك آثاراً نفسية واجتماعية تمتد إلى مراحل متقدمة من حياته، وتنعكس على نموه وتحصيله الدراسي وعلاقاته بالمجتمع.

ولا يقتصر العنف الموجه ضد الأطفال على الاعتداء الجسدي، بل يشمل أيضاً الإيذاء النفسي واللفظي، والإهمال، والحرمان من الرعاية الأساسية، والاستغلال بمختلف أشكاله. وقد يتعرض بعض الأطفال للتهديد أو الترهيب الذي يمنعهم من الإفصاح عما يحدث لهم، الأمر الذي يستدعي توفير قنوات آمنة تتيح لهم طلب المساعدة، وتضمن التعامل مع البلاغات بجدية وسرية، بعيداً عن الضغوط الاجتماعية والأسرية.

أما الاعتداءات الجنسية على الأطفال، فهي من أخطر الانتهاكات التي تتطلب استجابة فورية ومهنية، تقوم على حماية الطفل وإبعاده عن مصدر الخطر، وتقديم الدعم النفسي والطبي والقانوني المناسب له، وضمان التحقيق في الوقائع ومحاسبة مرتكبيها وفقاً للقانون. كما ينبغي التعامل مع الأطفال المتضررين بحساسية عالية، وعدم تحميلهم أي مسؤولية عما تعرضوا له، وحمايتهم من التشهير والوصمة الاجتماعية أو أي إجراءات قد تؤدي إلى إعادة إيذائهم.

ومن الضروري التأكيد أن حماية الطفل لا تبدأ بعد وقوع الاعتداء فقط، بل تبدأ من الوقاية والتوعية، وتعزيز قدرة الأطفال على التمييز بين السلوك الآمن والسلوك المؤذي، وتعريفهم بحقهم في رفض أي تصرف يسبب لهم الخوف أو الأذى، وتشجيعهم على إخبار شخص بالغ موثوق به عند التعرض لأي تهديد أو إساءة. كما يجب توعية الأسر بكيفية الاستماع إلى الأطفال والتعامل مع إفاداتهم بجدية وهدوء، وعدم تجاهل الشكاوى أو التقليل من شأنها.

وفي ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى الإسراع في تشريع قانون متكامل لحماية الطفل في العراق، يضع حقوق الأطفال في مقدمة الأولويات، ويوفر إطاراً قانونياً واضحاً للوقاية من العنف والإهمال والاستغلال والاعتداء، ويحدد مسؤوليات المؤسسات المختصة في الكشف عن الحالات والإبلاغ عنها والتدخل لحماية المتضررين.

إن مجلس النواب العراقي الموقر مدعو إلى إيلاء هذا الملف أهمية كبيرة، والعمل بالتعاون مع الجهات الحكومية المختصة والخبراء القانونيين والتربويين والاجتماعيين والنفسيين على دراسة التشريعات اللازمة، بما يضمن توفير حماية شاملة للأطفال، ويعزز قدرتهم على الحصول على حقوقهم دون تمييز.

وينبغي أن يتضمن أي قانون لحماية الطفل أحكاماً واضحة بشأن منع جميع أشكال العنف والاستغلال، وآليات الإبلاغ الآمن، وسرعة التدخل عند وجود خطر، وتوفير الحماية المؤقتة عند الضرورة، فضلاً عن ضمان الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية للأطفال المتضررين. كما ينبغي أن ينظم التعاون بين الجهات الأمنية والقضائية والصحية والتربوية، لضمان سرعة الاستجابة ومنع ضياع حقوق الطفل بين المؤسسات.

ولا تقتصر أهمية التشريع على فرض العقوبات، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية والرعاية والتأهيل، تضمن التعامل مع كل حالة وفق طبيعتها واحتياجات الطفل المتضرر. فالقانون الفاعل هو الذي يجمع بين حماية الضحية، ومحاسبة المسؤول عن الانتهاك، ومعالجة الظروف التي قد تسهم في تكرار هذه الممارسات.

ولا يمكن إغفال دور الشرطة المجتمعية، أحد تشكيلات وزارة الداخلية العراقية، في نشر الوعي والتعريف بمخاطر العنف الأسري والمجتمعي، وتعزيز ثقافة الإبلاغ عن الانتهاكات، والتعاون مع الجهات المختصة في التعامل مع الحالات التي تتطلب الحماية والتدخل. ومن المهم مواصلة دعم هذه الجهود وتطوير برامجها التوعوية، بما يسهم في حماية الأطفال وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات المعنية.

كما تتحمل المؤسسات التعليمية مسؤولية مهمة في توفير بيئة مدرسية آمنة، وتعريف الطلبة بحقوقهم، وتدريب الكوادر التربوية على ملاحظة مؤشرات العنف والإهمال والتعامل معها وفق إجراءات مهنية تحافظ على سلامة الطفل وخصوصيته. وينبغي أن تكون المدرسة شريكاً أساسياً في الوقاية، من خلال ترسيخ قيم الاحترام والتسامح، وتشجيع الأطفال على التعبير عن مخاوفهم دون خوف أو تردد.

أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول عن الطفل، وتقع على عاتق الوالدين مسؤولية توفير بيئة مستقرة قائمة على المحبة والتفاهم والرعاية. فالتربية السليمة لا تقوم على التخويف والإهانة أو استخدام العنف وسيلةً للسيطرة، وإنما على الحوار والتوجيه واحترام شخصية الطفل واحتياجاته. كما أن الاستماع إلى الأطفال ومتابعة أحوالهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم يساعد في اكتشاف المشكلات مبكراً والحد من المخاطر التي قد يتعرضون لها.

ومن جانب آخر، ينبغي أن يؤدي الإعلام العراقي دوراً مهنياً ومسؤولاً في تسليط الضوء على قضايا العنف ضد الأطفال، ونشر الثقافة القانونية والاجتماعية التي تعزز حمايتهم، بعيداً عن الإثارة أو التشهير. كما يجب تجنب نشر صور الأطفال المتضررين أو معلوماتهم الشخصية أو أي تفاصيل قد تكشف هوياتهم، احتراماً لخصوصيتهم وحفاظاً على سلامتهم النفسية والاجتماعية.

ومن المهم كذلك توفير مراكز وخدمات متخصصة لاستقبال الأطفال الذين يتعرضون للعنف، وتقديم الرعاية النفسية والاجتماعية والقانونية لهم، ومساعدتهم على تجاوز آثار التجارب المؤلمة واستعادة الشعور بالأمان والثقة. فالحماية الحقيقية لا تتوقف عند إبعاد الطفل عن الخطر، بل تشمل أيضاً تأهيله ومساندته وضمان حقه في التعليم والحياة الكريمة.

إن مواجهة العنف ضد الأطفال مسؤولية مشتركة لا تستطيع جهة واحدة النهوض بها بمفردها، بل تتطلب تعاوناً مستمراً بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والمؤسسات الأمنية والتربوية والصحية، إلى جانب الأسرة ومنظمات المجتمع المدني. كما تتطلب الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى خطط واضحة للوقاية والتوعية والتدخل المبكر، مع متابعة تنفيذ الإجراءات وتقييم نتائجها.

ختاماً، إن حماية الطفل واجب وطني وإنساني لا يحتمل التأجيل، وإن ما يتعرض له بعض الأطفال من عنف وإيذاء واستغلال يفرض على الجميع تحمّل مسؤولياتهم والعمل بجدية من أجل ضمان مستقبل أكثر أماناً لهم. ومن هذا المنطلق، ندعو مجلس النواب العراقي الموقر والجهات ذات العلاقة إلى إعطاء ملف حماية الطفل الأولوية التي يستحقها، والعمل على تشريع قانون متكامل يصون حقوق الأطفال وكرامتهم، ويوفر الحماية اللازمة لهم، ويضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات وفق القانون. فالأطفال أمانة في أعناق الجميع، وحماية طفولتهم اليوم هي استثمار في مستقبل العراق واستقراره.

الأخبار

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.