طالب محمد كريم
إنّ تداعيات الحربين العالميتين الأولى والثانية لم تكن مجرد تحولات عسكرية أو سياسية في تاريخ العالم، بل تركت آثاراً عميقة في البنية الفكرية والفلسفية الحديثة. فقد وضعت هذه الحروب مقولاتٍ كبرى موضع اختبار، مثل مركزية الإنسان، وأولويته في الحياة، وقدرته على تحرير ذاته من عبوديات السلطة والقهر والتاريخ. غير أن الواقع كشف فجوة هائلة بين تاريخ طويل من التفكير المنظم الذي بشّر بالعقل والتقدم، وبين واقع دموي أظهر أن الحضارة الحديثة نفسها قادرة على إنتاج أكثر أشكال العنف تدميراً.
لقد بدا وكأن قروناً من الفلسفة التي جعلت العقل في قمة سلّم العمل والبناء لم تمنع الإنسان من الانزلاق إلى حروب إبادة، الأمر الذي دفع العديد من التيارات الفلسفية المعاصرة إلى مراجعة اليقينيات الكبرى، والتشكيك في الثوابت والقيم الميتافيزيقية التي ادعت امتلاك الحقيقة النهائية. ومن هنا ظهرت اتجاهات فكرية جديدة تشكك في مركزية العقل، وتعيد النظر في مفهوم الحقيقة، والإنسان، والتقدم.
وفي العالم العربي، جاءت صدمة الحروب الحديثة، وخاصة هزيمة عام 1967 وما تبعها من تحولات حتى حرب 1973، لتُحدث حالة من الذهول الفكري العميق. فقد اختُبرت آنذاك مقولات الوجدان القومي والديني التي بشّرت بنهضة عربية قادرة على بناء الدولة الحديثة واستعادة الدور الحضاري. غير أن الواقع كشف هشاشة تلك المقولات عندما اصطدمت بضعف البنى السياسية والمؤسساتية.
لقد فشلت الأنظمة العربية في تحويل التاريخ المشترك، والقومية، والدين، إلى مشروع معاصر قادر على بناء دولة حديثة تقوم على المشتركات الإنسانية، والتنمية، والعيش الكريم، ومنطق السلام. وبدلاً من ذلك، أخذت الطائفية تلتهم الأساس الأخلاقي الذي كان يشكّل أحد أعمدة الفكر الديني في تاريخ النهضة العربية والإسلامية.
واليوم، نعيش مرحلة شديدة الخطورة، ستترك آثارها العميقة في الفكر الفلسفي العربي والغربي على حدّ سواء. فالفلسفة دائماً ما تُعيد قراءة المستقبل من خلال تفسير الحاضر، وكل مفكر ينظر إلى الأحداث من الزاوية التي تخدم تصوره الفلسفي للعالم.
غير أن المشهد الراهن في منطقتنا يبدو أكثر قتامة:
المنطقة تتعرض لعمليات تدمير متواصلة، والاقتصاد يتراجع، والبنى الاجتماعية تتآكل، في ظل صمت عام أو قبول ضمني في بعض الأحيان. ومع ذلك، لا يزال الخطاب الإعلامي عاجزاً عن كشف السيرورة العميقة للصراع العربي–العربي من جهة، والعربي–الإسلامي من جهة أخرى.
لقد فقد هذا الخطاب كثيراً من أدوات الكتابة العميقة والتحليل المعرفي، وفقد القدرة على ما يسميه ميشيل فوكو بـ التحليل الأركيولوجي، أي البحث في طبقات المفاهيم التي تشكل وعينا الراهن، والكشف عن الدلالات الخفية للأفكار التي استقرت في عقولنا حتى صارت جزءًا من بنية تفكيرنا.
ومن مظاهر هذه الأزمة أيضاً أن كثيراً مما يُنشر اليوم لا يُقرأ بعين الباحث الساعي إلى فهم الفكرة، بل بعين الشك في صاحبها. فتُترك الأفكار جانباً، ويجري التركيز على الكاتب للتقليل من شأنه أو التشكيك في نواياه. وهكذا يتحول النقاش من نقد الأفكار إلى محاكمة الأشخاص، وهي علامة أخرى على أزمة عميقة في الثقافة الحوارية
وفي ظل هذه الحالة من الارتباك الفكري، نعيش مفارقات صادمة يصعب تفسيرها عقلانياً.
فكيف لأمةٍ تصوم شهرها المقدس، بينما يُقتل قادتها وأبناؤها، ثم تجلس في المساء إلى موائد إفطار عامرة وكأن شيئاً لم يحدث؟ كيف تستعد للأعياد والأفراح في الوقت الذي يُعدم فيه تاريخها وتُهدم مدنها وتُستنزف شعوبها؟
إن هذه الثنائيات المعكوسة — بين المعلن والمضمر، وبين الخطاب الظاهر والحقيقة الكامنة — هي التي تختبئ غالباً خلف مجاملاتنا الاجتماعية، وخلف علاقاتنا اليومية، وخلف اللغة التي نعلن بها ما لا يعكس بالضرورة ما في سرائرنا.
ولهذا، فإن الأزمة ليست فقط أزمة سياسة أو اقتصاد، بل هي في جوهرها أزمة وعي تاريخي. فالأمة التي تنشغل بصراعات اللحظة ولا تفكر في المستقبل، والتي تقدّم أسافلها على أعاليها، لا يمكن لها أن تنهض.
وقد عبّر المفكر شاكر النابلسي عن هذه الحالة بعبارة قاسية لكنها دالة حين وصف بعض المجتمعات بأنها (أمة علف وخلف)، أي أمة منشغلة بالاستهلاك والإنجاب أكثر من انشغالها ببناء العقل والمؤسسات والمستقبل.
وأخيراً:
إن أخطر ما في الأزمات التاريخية ليس الخراب الذي تتركه الحروب في المدن والاقتصاد، بل الخراب الذي يتسلل بصمت إلى بنية الوعي. فالمجتمعات قد تعيد بناء مدنها بعد سنوات، وقد تستعيد اقتصادها بعد عقود، لكن إصلاح الوعي الجمعي يحتاج زمناً أطول بكثير. فحين يعتاد العقل على التعايش مع التناقض، وحين يصبح العنف حدثاً عادياً في الأخبار اليومية، وحين تتحول المآسي الكبرى إلى تفاصيل عابرة في حياة الناس، فإن الأزمة تكون قد انتقلت من مستوى السياسة إلى مستوى أعمق: مستوى الثقافة والوعي التاريخي.
وفي تلك اللحظة تحديداً لا تعود المشكلة في ضعف الإمكانات، بل في ضعف القدرة على تخيل مستقبل مختلف. فالأمم لا تنهض فقط بما تملكه من ثروات أو موارد، بل بما تملكه من أفكار كبرى قادرة على إعادة ترتيب علاقتها بالتاريخ والإنسان والمستقبل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن