Erbil 28°C الأربعاء 15 نيسان 22:50

المجموعة الرابعة

الحكمُ حالاتٌ، وهذه الحالات مختلفة، والناجح منها هو المشهود له وفق معايير (موضوعية)، لا الحكم الذي يشهد لنفسه بالنجاح وفق معايير لا تتطابق وتلك التي تفصل بين الناجح وغير الناجح.

بين 193 إلى 195 دولة حالياً، فإن الدول التي استقرت على النجاح أقل عدداً بكثير من الأغلبية التي نهضت ثم انكفأت، أو التي تحدد حجمها المؤثر فتراجعت إلى دور إقليمي محدود، تابعة لمن هو أقوى أو متبوعة من الأضعف منها.

بالمحصلة، نحن أمام عدة أنواع رئيسية:

الدول الأولى: حيث إدارة الاقتصاد والقوة العسكرية العالمية.

الدول الثانية: حيث الاقتصاد المتين والقوة العسكرية المحدودة.

الدول الثالثة: وهي دول كبرى، لكنها لم تطرح نفسها لشغل مكانة دولية تزاحم بها الكبار في القرار المُغيّر للخرائط السياسية وتنظيم موازين القوى.

الدول الرابعة: وهي دول تعيش أزمة الصدمات ونزاع الهويات.

ولا يمنع ذلك اشتراك كل هذه المجموعات في مشتركات، مثل وجود ثروات، أو تناثر قوى عقائدية، أو مراكز ثقل فكري؛ لكن الفارق يكمن في تبني معنى مستدام لمفهوم الدولة، أي "المؤسسة التي تدير مؤسسات". هنا يكمن الاختبار: اختبار الوجود من عدمه، أو من عدم تحققه.

الدولة كيان مرئي، وليس شرط نجاحها الفعلي وجود علم أو سفارة أو وزارة فحسب -رغم ضرورتها- بل الغاية هي: هل أعدّت مؤسسة التعليم فيها معلماً ومنهجاً واستثمرت العقل الناشئ؟ أم أن التعليم اكتفى بدور أدائي في أدنى حدود الاستثمار، وتمشية الأمور بروح "أن القضية لا تستحق العناء" أمام اهتمام محدود وفرص عمل مجهولة للمتعلمين؟ وهذا الأمر ينسحب على كل روافد مجتمع الدولة وفي أي تفصيل: الخدمات الاجتماعية، الأمن، التوعية، الحقوق الدستورية والقانونية، وقبل كل هذا "نوع السلطة على المال العام" وموجبات الإنفاق؛ فهذا الأمر تحديداً هو الفارق الأساس في مآل الدولة وما ستكون عليه.

لا أعتقد أنه -في الغالب الأعم- ثمة دول حريصة على منع ضعف دولة أخرى، فالحرص على سلامة دولة أو منطقة ما من قِبل الدول الكبرى يرتبط بالمصالح وجوداً وعدماً، وإلا لكانت سلامة كل دولة مصونة بقرار دولي نافذ، ولما حدث تدمير أو زوال لأي دولة من الناحية السياسية، ولا وقع خراب اجتماعي. كما لا أعتقد أيضاً بأن الدمار الذي يصيب دولة ما يحدث تأثيره إن لم تكن الدولة المستهدفة "جاهزة للعدوى".

من هذا كله، فإن الأسئلة المصيرية التي نقدمها في رؤيتنا للعراق تقوم على أساس واقع غير مُبشّر، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا أمنياً. فالصورة القديمة عن فترة سياسية مستقرة، تتسم بشيء من المعرفة بالاتجاه الأدائي نحو مكانة حقيقية وتحريك معاملات القوى العراقية مجتمعياً واقتصادياً، لم يبقَ منها إلا مقاطع فيلمية وصور بين الفوتوغراف والذاكرة. وكل التسويق الحالي لتبيان استمرار ذاك العصر تنفيه أوراق مكتوبة بعلمية عن الحال الداخلي، ودراسات تخصصية تنشرها مراكز البحث الدولية؛ تلك الدراسات التي لا تعيرها مؤسسة الحكم اعتباراً، فهي -ككثير من مؤسسات الدول مضطربة الوضع- تتبع سياسة تعامل مع أخطائها تقوم على ثلاث خطوات: الإنكار، ثم الاعتراف، ثم حلول متأخرة غير ناجحة.

ربما، أو من المؤكد، أن التداخل بين المزاج الشخصي والواقع هو أزمة أغلب الدول التي تشبه دولتنا؛ إذ إنها لفرط تراكم الخراب الذي تصنعه أجهزة الحكم، تُصاب بحالة ابتعاد عن مواجهة الواقع، وتتخذ درب عمل أشبه بالسير على "حزام متحرك" معتقدة أنها تتقدم للأمام!

لكن الذي يضاف لهذا الواقع المرير، أن مثل هذه الدول تكون هدفاً لتجارة سياسية داخلياً وخارجياً، حيث يتم السطو على المقدرات بغطاء شرعي، وبذا تدخل الدولة ضمن "النوع الرابع" الذي ورد في بداية هذه الكلمة. ساعتها، ستجد مجموعة تقتات على الدولة بالمال لتقصف نفس الدولة، وستشتري بمال الدولة أسلحة كاتمة لتغتال من تشاء من أبناء الدولة، وستبقى الضريبة تزداد وتختفي أموالها دون مساءلة، وتكثر عناوين القوة المتغذية من الدولة، وتولد طبقات وتتكسر أخرى، حتى تصل الأمور للتفتت مع طول الأمد، دون أن يعترف طرف بجريمته.

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.