في اللحظات التي يتوتر فيها الحد الفاصل بين القانون والعدالة لا يعود النقاش مجرد اختلاف في التفسير بل يتحول إلى اختبار حقيقي لضمير التشريع ذاته إذ يكشف الواقع أن بعض التطبيقات القانونية حين تنفصل عن مقاصدها تتحول من أدوات لتنظيم الحياة إلى آليات لإعادة إنتاج الألم بصيغة شرعية وهنا تقف قضية الحضانة بما رافقها من توجهات تمس استقرار الأم والطفل بوصفها واحدة من أخطر اللحظات التي ينبغي فيها مساءلة الفعل التشريعي لا من حيث شكله بل من حيث نتائجه الإنسانية والاجتماعية إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا يقول النص بل ماذا يفعل بالإنسان وكيف يمكن تبرير دمعة طفل أو قلق أم تحت أي تأويل قانوني أو فقهي
إن التشريع في جوهره ليس عملية تقنية محايدة بل فعل أخلاقي مركب يترتب عليه أثر مباشر في حياة الأفراد وحين ينتج هذا الفعل آثارا تمس البنية العاطفية للأسرة وتزعزع استقرار الطفل فإن المسؤولية لا يمكن أن تختبئ خلف آليات التصويت أو صيغ الإقرار الشكلي لأن الشرعية الحقيقية لا تستمد من الإجراء بل من العدالة التي يحققها التطبيق وهذا ما يضع كل من شارك في صياغة أو دعم أو تمرير أي اتجاه يفضي إلى تقليص دور الأم أمام مساءلة أخلاقية عميقة لا تقوم على الاتهام بل على مبدأ المسؤولية العامة إذ إن القرار التشريعي لا يقاس بنياته بل بنتائجه ولا يبرر بسلامة إجراءاته إذا كان أثره الواقعي يؤدي إلى تفكيك الاستقرار الأسري وإدخال الطفل في دائرة الاضطراب النفسي
وفي هذا السياق لا بد من التمييز بين الفقه بوصفه منظومة مقاصدية مرنة وبين بعض القراءات التي قد تفصله عن روحه إن الفقه الإمامي حين تناول مسألة الحضانة لم ينطلق من منطق السلطة بل من منطق الرعاية وقد قرر بوضوح تقديم الأم في المراحل الأولى من حياة الطفل استنادا إلى طبيعة العلاقة الوجدانية والحاجة النفسية وهو ما تؤكده مصادر معتبرة مثل شرائع الإسلام وجواهر الكلام حيث يظهر بجلاء أن مصلحة الطفل واستقراره تمثلان الأساس في ترتيب الأولويات كما أن الفقه المعاصر ممثلا بآراء السيد علي السيستاني يؤكد أن معيار الحكم لا ينفصل عن مصلحة المحضون ولا يمكن أن يتجاهل أبعاده النفسية والاجتماعية ومن هنا فإن أي تطبيق ينتج ضررا واضحا لا يمكن أن يُنسب إلى الفقه بقدر ما يعكس خللا في فهمه أو في تنزيله على الواقع
وتتجلى خطورة الإشكال حين يتم إغفال القواعد الأصولية الكبرى التي تشكل العمود الفقري للمدرسة الإمامية وفي مقدمتها قاعدة لا ضرر ولا ضرار التي وردت في مصادر الحديث ومنها وسائل الشيعة والتي تقرر بوضوح أن كل حكم يؤدي إلى ضرر بيّن يستوجب المراجعة وإعادة النظر كما أن ما ورد في تحرير الوسيلة يؤكد أن الحضانة ليست حقا مجردا بل وظيفة رعاية مرتبطة بمصلحة الطفل وهو ما يعني أن تقديم الشكل القانوني على حساب الاستقرار النفسي يمثل انحرافا عن مقاصد الحكم لا امتثالا له
إن الطفل في هذا السياق لا يمكن اختزاله إلى موضوع قانوني بل هو كيان نفسي يتشكل وعيه الأول في حضن الأم وأي قطيعة مفاجئة مع هذا الامتداد الطبيعي لا تمثل مجرد تغيير في الحاضن بل تشكل صدمة وجودية قد تنعكس على تكوينه العاطفي والسلوكي لسنوات طويلة ومن هنا فإن التعامل مع الحضانة بوصفها مسألة تنظيمية بحتة يتجاهل ما استقر في العلوم الإنسانية من أن العلاقة الأولية بين الطفل وأمه تمثل أساس الإحساس بالأمان والانتماء وأن أي إخلال بها دون مبرر قاهر يدخل في دائرة الإضرار لا التنظيم
وعلى المستوى الدستوري فإن أي اتجاه قانوني يفضي إلى زعزعة الاستقرار الأسري أو المساس بالحقوق المكتسبة يثير إشكالية عميقة تتعلق بمفهوم الأمن القانوني والثقة المشروعة إذ لا يمكن بناء علاقة مستقرة بين الفرد والدولة إذا كان القانون قابلا لأن يعيد تشكيل الماضي أو أن يقوض مراكز قانونية استقرت في ظل تشريعات نافذة إن الثقة بالقانون ليست مسألة نفسية مجردة بل ركيزة أساسية في استقرار المجتمع وأي تآكل فيها ينعكس مباشرة على شعور الأفراد بالأمان وعلى قدرتهم على تنظيم حياتهم وفق قواعد واضحة
ومن هنا فإن المساءلة التي يفرضها هذا الواقع ليست موجهة إلى أشخاص بعينهم بقدر ما هي دعوة مفتوحة إلى مراجعة جادة تعيد التوازن بين النص ومقصده وبين السلطة والرحمة إن الشجاعة التشريعية الحقيقية لا تكمن في الإصرار على الدفاع عن نص قد ينتج ضررا بل في القدرة على إعادة تقييمه في ضوء نتائجه الفعلية لأن العدالة ليست حالة جامدة بل عملية مستمرة تستدعي التصحيح كلما انحرفت عن غايتها
وفي المحصلة فإن قضية الحضانة كما تُطرح اليوم تكشف عن مفترق طرق حقيقي إما أن يُعاد تأكيد موقع القانون كأداة لحماية الإنسان وصون كرامته وإما أن يستمر الانفصال بين النص وواقعه بما يؤدي إلى تكريس معاناة لا يمكن تبريرها بأي صيغة قانونية أو فقهية إن الأم التي تخشى فقدان طفلها لا تبحث عن امتياز بل عن أمان والطفل الذي يتعلق بحضنها لا يدرك تفاصيل النصوص لكنه يشعر بآثارها ولهذا فإن أي مقاربة لا تضع هذين البعدين في مركز الاهتمام تبقى قاصرة عن تحقيق العدالة بمعناها الحقيقي حيث لا تُقاس الأحكام بسلامة صياغتها بل بقدرتها على حماية الإنسان من الألم وحفظ توازن الأسرة بوصفها الخلية الأولى التي يقوم عليها المجتمع كله
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن