Erbil 28°C الثلاثاء 07 نيسان 23:22

استعراض القوة.. وعجز الردع

في قرية "زَرگزَوي" الهادئة، لم يكسر سكون الليل صوت المطر، بل دويّ طائرة مسيّرة اختارت أن توقّع بؤسها على أجساد مواطنين عزّل. لتكشف عورات النظام الأمني والسياسي في العراق، فحين تمزق شظايا "الحقد الأعمى" أجساد الأبرياء وتترك طفلتين في مهب اليتم والضياع بعدما سلب منهما حضن الأب وأمان البيت. تسقط كل شعارات "السيادة" و"الكرامة الوطنية" التي تلوكها الألسن في المحافل الرسمية.

إن استهداف المدنيين في إقليم كوردستان وتعمّد قتل الأبرياء في بيوتهم ليس عملاً عسكرياً، بل هو إجرامٌ يتجرد من أدنى قيم الشهامة. إن القوة التي لا تستأسد إلا على القرى الآمنة هي قوة مهزوزة أخلاقيا ومفلسة سياسياً، تحاول تعويض عجزها السياسي عبر إرهاب الأطفال والنساء، ضاربةً عرض الحائط بكل المواثيق الإنسانية والدولية التي تجرّم المساس بحياة المدنيين.

هنا يبرز سؤال السيادة الملحّ: أين هي الدولة العراقية وقواتها المسلحة من هذه الاستباحة المتكررة؟ إن المسؤولية الدستورية تفرض على الحكومة الاتحادية حماية كل شبر من سماء العراق وأرضه.

فمن المثير للاستغراب أن تُنفق المليارات على صفقات التسليح، بينما تبقى الدفاعات الجوية والقوة الجوية العراقية في حالة "سكون" مريب حين تُخترق الأجواء ويُقتل المواطنون، لتضج الساحات باستعراضات عسكرية فخمة تُظهر مدرعات وطائرات، لكنها عند ساعة الحقيقة تتحول إلى مجرد "ديكور" لرفع المعنويات الزائفة، فيبدو أن القوات المسلحة الاتحادية تكتفي في كثير من الأحيان بـ "استعراضات القوة" في المناسبات، بينما يغيب فعلها الحقيقي في صد الهجمات الخارجية التي تستهدف العمق العراقي في إقليم كوردستان.

في الوقت الذي تنزف فيه قرى ومدن الإقليم، تخرج علينا جوقة من المحللين السياسيين "المأجورين" الذين يمارسون عهراً سياسياً لا مثيل له حيث اتخذوا من مهاجمة الإقليم مهنة لهم. هؤلاء الذين يبررون للمعتدي عدوانه، ويحولون الضحية إلى متهم، هم شركاء في الضغط على الزناد.. فهم لا يجرؤون على الإشارة بإصبع الاتهام للجهات التي تنتهك سيادة البلاد، ويصبون جام غضبهم على الضحية، مختلقين المبررات للمعتدي.​. هؤلاء "الأبواق" يتجاهلون عمداً صفقات التسليح الفاشلة والفساد الذي ينخر المنظومة الدفاعية، وبدلاً من المطالبة بحماية سماء الوطن، يشغلون الرأي العام باتهامات كيدية ضد الإقليم، في محاولة بائسة للتغطية على الفشل الذريع في الحفاظ على هيبة الدولة، وكأن عدوهم هو البناء والعمران في أربيل، وليس الطائرات التي تستبيح كرامة بلدهم.

​إن دماء الأبرياء في "زَرگزَوي" ودموع الطفلتين اليتيمتين ليست مجرد أرقام في سجل الضحايا، بل هي صرخة في وجه كل من قصّر في واجبه. ورغم جسامة التضحيات، يبقى الدرس التاريخي واضحاً: إن شعباً يؤمن بعدالة قضيته ويتوكل على خالقه لن ترهبه طائرات أو مسيّرات غادرة، وشعب كوردستان لا ينسى جراحه، واليتامى الذين تركتهم الصواريخ والمسيّرات هم شهود عيان على مرحلة كان فيها السلاح صامتاً، والألسن المأجورة صاخبة.

​إن حماية إقليم كوردستان هي حماية لما تبقى من كرامة للسيادة العراقية، وأي تهاون في صد هذه الاعتداءات هو بمثابة ضوء أخضر لاستمرار إراقة دم الأبرياء تحت أنظار مدافع وصواريخ لم تُطلق رصاصة واحدة للدفاع عنهم، فإما أن تكون دولة تحمي أبناءها بقوة السلاح والقانون، أو أن تعترف بأن جيشها وميزانيات تسليحها ليست إلا واجهة لواقع مرير تسيطر عليه إرادات خارجية. فإرادة كوردستان صلبة كجبالها، والمسيّرات قد تقتل الأجساد، لكنها أبداً لن تقتل روح التحدي.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.