Erbil 15°C الخميس 13 حزيران 20:10

رحلة الى ابرز مقابر الحقبة الفرعونية في الاقصر واكتشاف ثوري يقود الى مناظر مخفية...

بعض الخطوات تفصلني عن مجموعة من مقابر مدينة الأقصر المصرية، الجو ساخن ودرجات الحرارة مرتفعة أقدر أنها بلغت نحو 40 درجة مئوية
Zagros TV

 

بعض الخطوات تفصلني عن مجموعة من مقابر مدينة الأقصر المصرية، الجو ساخن ودرجات الحرارة مرتفعة أقدر أنها بلغت نحو 40 درجة مئوية. رحلتي إلى هذه المدينة التاريخية هي الثانية بعد الرحلة الأولى التي قمت بها العام الماضي. مصر بلد يسحرك رغم الظروف الجوية فكل اكتشاف أثري يتم الإعلان عنه حول العالم تجد نفسك تشد الرحال مرة أخرى تشد الرحال نحو تلك البلاد الساحرة المليئة بالتاريخ والغموض.

عن قرب سلم يقودني نحو غرفة أشبه بالكهف منخفضة عن سطح الأرض، يقودني السلم نحو بوابة حديدة إلى جانبها وضع إعلان يعرف السواح عن اسم المكان والمقبرة وتاريخ اكتشافها وهي المقبرة TT69التي تقع في وادي النبلاء بالأقصر وتعود لأحد النبلاء الذين عاشوا قبل الآلاف السنين ويدعى (مننا).

في هذه الرحلة يصحبنا الدكتور (شريف شعبان)، عالم الآثار المصري للحديث عن فن تزيين المقابر في مصر القديمة وعن حركة تطور هذا الفن وكذلك عن أشهر المقابر في الأقصر ومنها المقبرة TT69 والاكتشاف الثوري الذي توصل إليه علماء الآثار مؤخرا في جدران المقبرة.

متى بدأ فن تزيين المقابر بالظهور حسب التاريخ المصري القديم؟

عرف المصري القديم منذ فجر التاريخ الإيمان بفكرة البعث والخلود وأن الموت ما هو إلا مرحلة انتقالية وهو ما جعله يهتم بمقبرته باعتبارها هي بيت الأبدية. لذلك نجد المصري القديم قد اهتم بتزيين مقبرته بمناظر ترتبط بحياته اليومية ومعتقداته الدينية. ومن أقدم مناظر المقابر في الحضارة المصرية القديمة المقبرة رقم 100 بمدينة "نخن" أقدم العواصم التاريخية لمصر القديمة بأسوان وهي أقدم مقبرة معروفة بإحتوائها جدارية مرسومة على جدرانها الجصية. يُعتقد أنها تعود إلى نقادة الثانية المعروفة بإسم ثقافة جرزة في عصور ما قبل الأسرات (حوالي 3500-3200 قبل الميلاد) حيث يُفترض أن جدارية المقبرة تُظهر مشاهد وصور دينية، فنجد موكب جنائزي لمراكب وحيوانات برية الحمير الوحشية، والوعل، والنعام، وأنثى الأسد والغزلان، والماشية. على أن أغرب ما تم رسمه على جدران تلك المقبرة مناظر لرجل يفصل بين حيوانين مفترسين وهو ما يشبه ما تعارف عليه في حضارة بلاد النهرين، وهو ما دل على وجود علاقات حضارية مبكرة بين مصر وبلاد النهرين. ومع نشأة الدولة المصرية وتطور  الفكر الديني المصري تطورت المناظر المرسومة على جدران المقابر وهو ما صاحبه تطور في الاسلوب الفني من حيث الموضوع وتكنيك التصوير على مدار التاريخ المصري القديم بداية من الدولة القديمة مروراً بالدولة الوسطى وحتى عصر الامبراطورية.

ما هي أشهر المقابر بعد مقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون؟

إذا ما اتجهنا إلى مقابر وادي الملوك ووادي الملكات ومقابر النبلاء في غرب طيبة (الأقصر حالياً) سنجد أن تلك المقابر تمثل ذروة الفن والعمارة والفكر الديني في الحضارة المصرية القديمة، فقد نجح ملوك الدولة الحديثة أو ما اصطلح عنه الامبراطورية المصرية القديمة في تزيين مقابرهم بمناظر غاية في الروعة بتقنيات فنية عالية، فعلى سبيل المثال نجد مقبرة الملك سيتي الأول تشتهر بسقفها والذي زين على شكل  سماء زرقاء مرصعة بنجوم ذهبية ومقبرة الملك رمسيس السادس المشهورة بمناظرها الدينية على الجدران والأسقف ومقبرة الملكة نفرتاري بوادي الملكات والتي تضم العديد من مناظر الملكة في أوضاع مختلفة تمزين بمدى إظهار جمال نفرتاري وأناقتها بألوان براقة وكأنها مرسومة اليوم، بالإضافة إلى مقابر النبلاء في منطقة القرنة والعساسيف ودير المدينة غربي طيبة والتي تضم مناظر بديعة تمثل الطقوس الدينية والحياة اليومية في مصر القديمة من وجهة نظر النبلاء مثل مقبرة سن نجم كبير الفنانين ومقبرة الوزير رعموزا ومقبرة كاتب الحقول الملكية مننا. ومن المثير في الأمر أن مقبرة توت عنخ آمون ذات الشهرة الواسعة لا تعد من أجمل مقابر الوادي لأنها أصغرها وتم إعدادها بسرعة بسبب الموت المفاجئ للملك الشاب وهو ما جعل مناظرها متركزة فقط على جدران حجرة الدفن.  

نأتي الآن إلى مقبرة لأحد  النبلاء ويدعى مننا وهي المقبرة المعنونة علميا TT69: لماذا تم محو وجه هذا النبيل عمدا؟ ما هي الأسباب؟

دعني أعرفك على مننا وهو كما ذكرت سلفاً كاتب الحقول الملكية في عصر الملك تحتمس الرابع ويظن الناس العامة أن مقبرته هي مقبرة وزير الزراعة لأن معظم مناظر هذه المقبرة تدور حول الزراعة من حرث الأرض وبذر الحبوب، وزراعة الكتان وتمشيطه، ومناظر الحصاد، لمشرف على الضياع الملكية والمسئول الأول عن الأموال والضرائب المحصلة، كل ذلك جعل «مننا» يتفاخر بوظيفته بدرجة كبيرة كما دل على مدى سطوة ونفوذ مننا في عصره.

والزائر للمقبرة يجد أن هناك شخص ما يكره مننا، قام بمسح وجه مننا من على جميع الرسومات والمناظر على الجدران بالكامل بالإضافة إزالة اسم الرب آمون من على الجدران لمنع مننا من البعث مرة أخرى وتعذيبه في الحياة الأخرى بعد الموت، وهو ما يحتمل أن يكون أحد المتطرفين في عهد الملك أخناتون الذي حارب كل المعبودات من أجل إبقاء التقديس لمعبوده الأوحد آتون. فكان من المعروف أن الاسم والصورة هما رفيقا المتوفى في رحلته في العالم الآخر ودلالة على كينونته، وإذا ما فقد المتوفى إسمه أو صورته فهو لن يكون له وجود.

ما هي أشهر المناظر الفريدة بمقبرة مننا؟

من أجمل ما يميز المقبرة المناظر التي تعبر عن الشعور الإنساني، مثل منظر رئيس العمل الواقف وراء مائدة القرابين والعبد الذي يقبل في ذلة قدمي هذا الرجل العظيم ربما من أجل تقليل الضرائب، ومنظر إنساني لفتاة تحضر جرة ماء لأحد العمال العطشى، وأم ترضع صغيرها تحت شجر التوت، أما أجمل المشاهد فكانت لزوج يحاول إخراج شوكة من قدم زوجته. وهو ما يدل على أن الفن المصري القديم ليس فناً جامداً مقولباً ولكنه يتنوع حسب رؤية الفنان رغم كونه يخضع لقواعد فنية ثابتة. 

كيف حافظت الألوان على تماسكها رغم مرور الآلاف السنين؟

هذا الأمر يرجع لتطور تكنيك الفن في عصر الدولة الحديثة، حيث استخدام الفنانين مجموعة من الألوان والاصباغ ذات الجودة العالية متبعين أسلوب "التمبرا" وهي طريقة تلوين سريعة الجفاف تتكون من صبغة ملونة مخلوطة بمادة صمغية لاصقة ذات وسط مائي، وفي الأغلب يستخدم صفار البيض وهو ما يجعل الألوان براقة وتدوم أطول مدة ممكنة. ويكمن إيمان المصري القديم بأن المقبرة هي بيته الأبدي في أن يجعله يهتم بكل تفاصيل المناظر والاعتماد على أمهر الفنانين في عصره.

متى تم اكتشاف المقبرة ومن هو المكتشف الأصلي لها؟

تم تنظيف المقبرة من قبل أعضاء البعثة الأثرية الفرنسية في ثمانينيات القرن 19 ومرة أخرى في الجزء الأول من القرن العشرين ، عندما اشتمل العمل في المقبرة على اكتشاف عدد من الدفنات في الفناء الأمامي والمقصورة بواسطة الأثري الانجليزي روبرت موند في عام 1905، وعمل مسح موجز لمناظر  المقبرة على يد عالم الآثار الاسكتلندي كولين كامبل في عام 1910. وقد تم فتح المقبرة للجمهور منذ الستينيات، وأصبحت منذ ذلك الحين معرضة لمشاكل التلوث البيئي والاتصال البشري وهو ما أدى إلى تدهور اللوحات الجدارية. وحاليا قامت الحكومة المصرية ببناء جدار زجاجي لحماية الرسومات على الجدران من أنفاس الزائرين والرطوبة في الهواء.

هل تمكن اللصوص من الوصول إلى هذه المقبرة قبل مئات بل الآلاف السنين؟

كما ذكرت أن المقبرة قد وقعت في يد متعصبين دينيين إبان حقبة العمارنة وهو ما أدى إلى تلف أغلب مناظرها الدينية، كما تعرضت المقبرة إلى هجمات عصابات اللصوص التي تكونت عقب الانهيار الاقتصادي الذي خلف عصر الملك رمسيس الثالث والتي عرفت في المصادر بإسم "سرقات المقابر"، حين شكّل العمال الجوعى والعاطلين عصابات تستهدف مقابر الملوك والملكات لسرقة كنوزهم المدفونة معهم. وقد بدأ الأمر في سرية ثم انتشر بصورة كبيرة حيث تسيد تلك العصابات بعض من الكهنة الذين كانوا على معرفة بأماكن المقابر ونقاط تخزين الكنوز بها، ثم امتدت إلى مقابر النبلاء.

الزائر لهذه المقبرة يشعر أن من بين الكتابات والرسوم شيء غامض هل تستطيع تفسيره؟

لا تكف مقبرة مننا بشكل خاص والفن المصري بشكل عام عن إبهارنا، فقد كشفت لنا التكنولوجيا الحديثة معجزة جديدة من معجزات الفن المصري القديم وسر جديد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، حيث توصل مجموعة من الباحثين باستخدام التصوير العلمي المتطور بالولايات المتحدة إلى وجود مناظر مخفية خلف مناظر جدران مننا، فنجد صاحب المقبرة وهو يرفع يديه في وضع تعبدي للمعبود أوزير رب العالم الآخر وراعي الموتى، ولكن تم الكشف على أن هناك ذراع ثالثة تم محوها لعدم تناسبها مع النسب التشريحية للمنظر. وهذا الاجراء يدلّ على أن الرسامين المصريين القدماء قد نجحوا في عمل تعديلات على رسومهم وتصحيح أخطاء قد يقعوا فيها، وتدحض اتهامهم بالتقليد والجمود.

 

 

رامیار فارس

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.