قضية مدرس الفيزياء.. حادثة عارضة تثير الجدل وسط إغفال المشكلات الجوهرية في قطاع التربية والتعليم

النسخة المصغرة
الحادثة قد لا تعدو أن تكون من أعراض المشكلة، وليست المشكلة

زاكروس عربية - أربيل

احصاءات جديدة بالأرقام والنسب المئوية تؤكد حجم الانهيار الذي أصاب النظام التربوي والتعليمي في العراق، لم تلفت اليها وسائل الاعلام ولا الجمهور، إذ انشغل الجميع بحادثة عارضة ابطالها مدرس في معهد خاص وطالباته، والحادثة قد لا تعدو ان تكون من اعراض المشكلة، وليست المشكلة.

عندما تصل الامور الى اقصى حدودها في السوء، يتسيد الجدل العقيم حول قِشر المشكلة ويهمل جوهرها، واذا حصل هذا فإعلم ان الناس في شر حال، كما يورد ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.

الجَلَبَة التي اثارها تصوير فيديو لأحد المدرسين وهو يحتفل بطريقة مبالغ بها مع طالباته بانهائهم الفصل الدراسي، وما رافقها من جدل وانقسام بالرأي، سحبت البساط من تحت المشكلات الجوهرية التي يعاني منها قطاعا التربية والتعليم.

ان الحالة المشار اليها يمكن ان تكون جديرة بالاهتمام ولكن من زاوية اخرى لا علاقة لها بسلوك المدرس ولا احتفال الطالبات.

انقسام المجتمع العراقي بعد العام ٢٠٠٣ الى طبقتين، لا ثالث لهما، غنية واخرى فقيرة، تسبب من ضمن ما تسبب فيه بظهور مستويين من العيش، عائلات ميسورة تستطيع الحصول لأبنائها على مستوى تعليمي مريح ومرفه وناعم في المدارس الخاصة، واخرى تغرق في رداءة وسوء وتدني مستوى وخدمات المؤسسات التربوية والتعليمية العامة، وشتان بين نمطي السلوك في هذه وتلك.

وتوضح احصاءات ونسب مئوية موثقة نوع المأزق التي تعيشه العملية التربوية والتعليمية، حيث تؤكد ان اكثر من سبعين بالمئة من المدارس الحكومية تفتقر مثلا الى ابسط الخدمات كالمياه النظيفة،  وأن اكثر من 1000 مدرسة تم بناؤها من الطين، وأن نحو ‏2750 مدرسة متضررة منذ عام 2003 الى اليوم .

‏واذا كانت نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية تبلغ 91% فأنها تنخفض الى ‏36 % في المدارس المتوسطة و ‏%18 في المدارس الثانوية، و ‏%14 في الجامعات فيما يصل عدد الأميين الى ‏12 مليون أمّي.

واسهمت سياسات حكومات المحاصصة وسوء الادارة والفشل في ايجاد التمايز الصارخ بين مستويي الدراسة، دون أن نغفل جوانب اخرى تتعلق بالتعليم عموما وطرق النجاح واساليب الحصول على الدرجات العلمية، واخيرا الحصول على وظائف.

وهنا ايضا سيكون القدح المعلى للعائلات الغنية والميسورة والمرتبطة بالسلطة.

اعلنت وزارة النفط عن توفر وظائف شاغرة للخريجين من المهندسين فتقدم الآلاف، وظهرت النتائج التي تشير صفحة منها الى قبول نحو ٨ اخوة واخوات اشقاء من اقارب أحد المسؤولين، وكأن علم استخراج النفط حكر على هذه العائلة.. هذا مثال من الاف الامثلة.

في النموذج البيروقراطي السياسي الذي مشى على سكته العراق بنظامه المشوه، هناك أصرار من بعض الأحزاب للقبض على وزارتي التعليم والتربية، ضمن مفهوم الاقطاعيات المحاصصاتية التوافقية سيء الصيت والذي بات عرفا، وما ذلك لحرص على العملية التربوية والتعليمية أو لتراكم خبرة فيهما، وانما لأن موازنات الوزارتين وافرتان وتفوقان موازنات عشر وزارات مجتمعة.

لم يأت مطلب التغيير والاصلاح الذي تنشده قوى التحالف الثلاثي من فراغ، فشل وسوء ادارة قطاعي التربية والتعليم وضرورة اصلاحهما من أهم اسباب التمسك بهذا المطلب.

تقرير: كمال بدران