بيوار داخاز
بالرغم من ثلاثة عقود ونصف من تجربة إقليم كوردستان إلا أنه لا يمكن قراءة تاريخ المؤسسات الأكاديمية بمعزل عن المسيرة الوطنية والقومية فالجامعات هناك تجاوزت مجرد قاعات للمحاضرات أو مختبرات للتجارب العلمية وأصبحت "العقل النابض" للمسؤولية الإنسانية والوطنية ومركز إشعاعها الذي يصوغ الهوية القومية ويحولها من عاطفة فطرية إلى وعي سياسي ومنظم. إن دور الجامعة يتجاوز التعليم التقليدي ليصبح صمام أمان وطني، يربط الفرد بجذوره الجغرافية والتاريخية للكورد، ويخلق حالة من الوحدة الوجدانية التي تتجلى في أوقات الأزمات الكبرى ويحول الوعي القومي من النظرية إلى الممارسة.
وفقاً للمنظور البراغماتي للوعي، فإن الإدراك لا يكتمل إلا إذا ارتبط بالفعل. وهذا ما نلمسه بوضوح في إقليم كوردستان، حيث تسارع الجامعات إلى تصدر المشهد الوطني عند أي استحقاق يمس القضية الكوردية، أو استذكار لمحطة من محطات التاريخ الكوردي أو صرحا يشارك المجتمع في الأفراح والأتراح. الجامعة هنا تمارس دور "المؤسسة السيادية للمعنى" (كما وصفها ألكسندر وندت)، فهي التي تعيد تعريف المصلحة القومية للشباب، وتجعل من التضامن مع الأجزاء الأخرى من كوردستان واجبا أخلاقيا ومعرفيا.
جامعة دهوك التقنية: ريادة في المبادرة الوطنية الكوردستانية
تعد جامعة دهوك التقنية أنموذجا فريدا في هذا السياق، إذ أثبتت من خلال مواقفها المتكررة أن التميز التقني والعلمي يسير جنبا إلى جنب مع العمق القومي. ولم تكتف الجامعة بتطوير المهارات البشرية، بل كانت دائما في طليعة المؤسسات التي تترجم الشعور القومي إلى حراك ميداني منظم.
لعل التضامن مع كوردستان سوريا في المنعطفات التاريخية التي واجهها الكورد في هذا الجزء منه لم تدع جامعة دهوك التقنية ان تقف موقف المتفرج. بل تحولت رئاسة الجامعة وكلياتها ومعاهدها إلى مراكز لإدارة الأزمة الوجدانية وتنضم إلى باقي شرائح المجتمع، حيث انطلقت تظاهرات سلمية منظمة ضمت الأكاديميين والطلبة، لترسل رسالة إلى المجتمع الدولي بضرورة حماية الوجود الكوردي. هذا الحراك لم يكن انفعالا عابرا بقدر ما كان تعبيرا عن الوعي بالآخر الذي هو جزء لا يتجزأ من الذات الكوردية.
أما الحملات الإنسانية واللوجستية، فقد تجلى الدور العملي للجامعة في إطلاق حملات تبرع واسعة النطاق، حيث تم تسخير الموارد البشرية واللوجستية لجمع المساعدات وإرسالها عبر الحدود هنا يتحول الطالب التقني إلى مواطن فاعل، يدرك أن مهاراته في التنظيم والإدارة هي أدوات لخدمة قضيته الوطنية.
عالميا تظهر التجارب الدولية أن الجامعات العريقة تتحول في أوقات الأزمات الوجودية من "مؤسسات تعليمية" إلى "قلاع للمقاومة المدنية" ومنصات للضغط الدولي، ومن أبرز هذه الأمثلة:
جامعة تشارلز في براغ (جمهورية التشيك)
عندما تمثلت بالمثال الأبرز عالميا في كيفية قيام الأكاديميين والطلبة بقيادة "الوعي الوطني". في عام 1989، كانت الجامعة هي الشرارة التي أطلقت "الثورة المخملية".
ولم ينحصر دور الجامعة في التظاهر فقط، بل قامت بتحويل قاعاتها إلى مراكز لإصدار البيانات السياسية التي تطالب بالديمقراطية والاستقلال الوطني.
الجامعات في كوريا الجنوبية – حماية الهوية والتنمية
خلال فترات التحول الصعبة في كوريا الجنوبية، لعبت الجامعات دورا يشبه إلى حد كبير ما تقوم به جامعات كوردستان في تعزيز "الحس القومي".
كانت الجامعات تقود حملات "الوعي الاقتصادي الوطني"، حيث حث الأكاديميون الشعب على دعم المنتجات الوطنية وجمع التبرعات (مثل حملة جمع الذهب الشهيرة) لإنقاذ الدولة من الأزمات المالية.
جامعة فيلنيوس (ليتوانيا) – صمود الهوية القومية
تتشابه ظروف ليتوانيا تاريخيا مع الظروف الكوردية من حيث محاولات طمس الهوية.
خلال فترة السيطرة السوفيتية، أصبحت جامعة فيلنيوس المركز السري والعلني للحفاظ على اللغة الليتوانية والتراث القومي.
جامعة كيب تاون (جنوب أفريقيا) – التضامن العابر للحدود
في مرحلة النضال ضد الفصل العنصري (Apartheid)، لم تكتف الجامعة بالعمل الداخلي. إذ اطلقت الجامعة حملات تضامن دولية وفتحت قنوات مع الجامعات العالمية للضغط على الحكومات لحماية حقوق السكان الأصليين.
في الأزمات الإنسانية للنازحين سيما خلال موجات النزوح الكبرى عام 2014، فتحت الجامعة أبواب خبراتها الفنية والطبية والإدارية لخدمة المخيمات مما عزز مفهوم الجامعة في خدمة المجتمع.
هنا يتبين لنا عندما تنخرط النخبة الأكاديمية في تظاهرة سلمية لحماية الكورد فإنها تعيد صياغة العقد الاجتماعي بين العلم والوطن.
إن استثمار إقليم كوردستان في هذه الجامعات هو استثمار في "الأمن القومي الناعم"، حيث تخرج الأجيال وهي مسلحة بالعلم، ومشبعة بروح التضامن التي لا تعرف الحدود المصطنعة، مؤمنة بأن وحدة المصير الكوردي تبدأ من وعي الفرد في قاعة الدراسة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن