أ ف ب
بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب في الشرق الأوسط، ومذكرة تفاهم إيرانية أميركية يُنظر إليها أنها عززت موقع الجمهورية الإسلامية، بات على دول المنطقة أن تحدد مواقعها في خارطة إقليمية جديدة.
وفيما يسود الارتياح في الخليج بعد وقف إطلاق النار، ينصبّ التركيز الآن على إصلاح العلاقات مع إيران، في حين تجهد دول أخرى، كإسرائيل ولبنان، للتعايش مع الاتفاق وتسعى لاستعادة زمام المبادرة.
- حوار رغم انعدام الثقة -
في دول الخليج النفطية، المعروفة باستقرارها، أحدثت الضربات الإيرانية على أراضيها ردًا على الهجوم الإسرائيلي الأميركي صدمة في المنطقة.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، لا خيار أمامها سوى مواصلة الحوار مع الجمهورية الإسلامية، رغم انعدام الثقة العميق والخلافات حول الموقف الواجب اتخاذه.
وأفاد دبلوماسي مطلع على التحضيرات لوكالة فرانس برس الأربعاء، بأنه من المقرر عقد محادثات مصالحة في السعودية، بدون تحديد موعد لذلك.
لا تمثل هذه المحادثات تغييراً في الموقف تجاه إيران، بل تجاه الولايات المتحدة، كما أوضح هـ. أ. هيليير، المحلل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، مضيفا "خلال الحرب، أثبتت واشنطن أنها متقلبة ولا يمكن توقع مواقفها، وقادرة على خوض الحرب ثم إنهائها مع إسرائيل كشريك، وبدون مراعاة لرغبات دول الخليج".
وأضاف "لأنهم يدفعون ثمن هذا الموقف، فإنهم يسعون إلى تخفيف آثاره قدر الإمكان. وعليهم التوصل إلى حل وسط مقبول نظراً لعدم موثوقية حليفهم الأميركي".
وبحسب ناصر التميمي، الباحث المقيم في المملكة المتحدة، فإن مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران "توفّر لدول الخليج هدنة موقتة، لا ضماناً دائما للأمن".
- كارثة في إسرائيل -
اعتبرت مذكرة التفاهم كارثة في إسرائيل التي لم توقعها رغم كونها طرفا رئيسيا في الحرب.
ويرى العديد من المسؤولين والمراقبين أن هذا الاتفاق يُضعف إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتانياهو، الذي استُبعد من المفاوضات، علما أن العملية الإسرائيلية الأميركية استهدفت احتواء نفوذ إيران.
ولكن يبدو أن إيران، على العكس، باتت منخرطة في صنع القرار الإقليمي.
يتركز الانتقاد على الجانب اللبناني من الاتفاق، الذي ينص على وقف إطلاق النار بين حزب الله الموالي لإيران والجيش الإسرائيلي.
ونقلت صحيفة معاريف عن مسؤول إسرائيلي قوله إن "التفاوض مع عدو أمر، وجعل إيران شريكًا في الترتيبات الأمنية في لبنان أمر آخر بالغ الخطورة".
ورد نتانياهو بعد الإعلان عن الاتفاق أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان "ما دام ذلك ضروريا".
ومع ذلك، أشار مايكل ميلشتاين، الباحث في جامعة تل أبيب، إلى أن "هيمنته على الموقف ستكون محدودة للغاية" في المستقبل.
وشكّك الخبير في أن يعطي دونالد ترامب الضوء الأخضر لاستئناف الحرب، ولن يفاجأ إذا التفتت الولايات المتحدة الآن إلى غزة لممارسة ضغط على إسرائيل.
وفي مقال رأي نُشر في صحيفة "إسرائيل هيوم" اليومية، لاحظ المقدم أور هورفيتز أيضاً أن "الوضع الاستراتيجي لإسرائيل في لبنان أسوأ مما كان عليه قبل الحرب. فقد انتقلت من حرية تامة في العمل إلى قيود مشددة".
- موقف لبناني مرتبك -
بالنسبة للبنان، لا يضع نجاح وقف إطلاق النار الذي أدرجته طهران ضمن تفاهمها مع واشنطن حدا للحرب فحسب، لكن من شأنه أن يجعل حزب الله أكثر التصاقا بداعمته طهران، وتصلبا لناحية احتفاظه بسلاحه.
ورأى الباحث المتخصص بشؤون حزب الله في "اتلانتيك كاونسيل" نيكولاس بلانفورد أن ثمة تصوّرا عاما بأن إيران خرجت "صاحبة اليد العليا" في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما أتاح لإيران "انتهاج موقف متشدد" في "حماية حزب الله" بتهديدها "التخلي عن مذكرة التفاهم" في حال لم تلتزم إسرائيل بوقف النار في لبنان.
وقال بلانفورد "تستخدم إيران لبنان كورقة مساومة بما يخدم مصالحها الخاصة ومصالح حزب الله"، مشيرا في الوقت ذاته إلى مسارات أخرى موازية بينها المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، والتي تدفع السلطات اللبنانية لإنجاحها في إطار مساعيها لفصل ملف لبنان عن إيران.
ورأى المحلل أن ربط إيران لوقف إطلاق النار بتفاهماتها في الولايات المتحدة أكسب حزب الله "زخما موقتا" في الداخل عبر "إحياء سردية المقاومة التي يتبناها الحزب" بمواجهة اسرائيل.
وقبل الاتفاق الأميركي الإيراني، رفض حزب الله قرار السلطات نزع سلاحه. ويتوقع محللون أن يصبح أكثر تشددا إزاء ذلك في حال صمدت الهدنة وشرعت إسرائيل بالانسحاب من مناطق تسيطر عليها في جنوب لبنان.
وأضاف بلانفورد "في نهاية المطاف، فإن مفتاح نزع سلاح حزب الله سلميا يكمن في طهران لا في بيروت".
من هنا، توقع الباحث في الشأن اللبناني في مجموعة الأزمات الدولية ديفيد وود أن تحظى القوة السياسية المناوئة لحزب الله "بدعم سياسي من دول، كالولايات المتحدة والسعودية، التي لا ترغب بأن يستعيد حزب الله موقعه كاللاعب الأكثر نفوذا على الساحة السياسية".
وتصرّ السلطات اللبنانية على مضيها بقرار نزع سلاح الحزب، في مطلب تؤيده مكونات سياسية رئيسية، تعتبر أن احتفاظ الحزب بسلاحه قد يعرض لبنان مجددا لمواجهات مع إسرائيل.
وشرح وود "يضع التدخل الإيراني السلطات اللبنانية في موقف مُربك"، ذلك أن وقف إطلاق النار بموجب الاتفاق الإيراني الأميركي والذي رحب به الرئيس جوزاف عون، "يمنح بلاده المنهكة أملاً في الخروج من حرب مدمّرة طال أمدها".
لكن من جهة أخرى، تفضّل السلطات اللبنانية أن "تمسك بمصير البلاد بنفسها، بدل الاعتماد على نفوذ خارجي تمارسه إيران لإنهاء النزاع"، وفق وود.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن