إن المشكلة ليست في الدين ولا في العقيدة، بل في تحويلهما إلى غطاء سياسي، وفي استخدام الرموز الدينية لتبرير النفوذ الحزبي وتحصين السلطة من المساءلة.
بقلم: د. صلاح آل خلف الحسيني
عندما يُطرح سؤال الولاء للوطن أم العقيدة، فإن العراق ليس بحاجة إلى مناظرة نظرية مجردة للإجابة عنه؛ فالتجربة السياسية التي عاشها منذ عام 2003 تضع أمامنا مجموعة من الأسئلة التي تستحق المحاسبة والتأمل.
لقد دخل العراق مرحلة سياسية جديدة تحت عناوين الديمقراطية والحرية والهوية الدينية والمظلومية التاريخية، ورفعت قوى سياسية عديدة شعارات تمثيل المكونات والدفاع عن العقيدة والمذهب والمقدسات.
لكن بعد أكثر من عقدين، أصبح من حق المواطن العراقي أن يسأل: أين الدولة التي وُعد بها؟ وأين العدالة التي رُفعت باسمها الشعارات؟ وأين التنمية التي كان يُفترض أن تتحقق من ثروات العراق الهائلة؟
إن المشكلة ليست في الدين ولا في العقيدة، بل في تحويلهما إلى غطاء سياسي، وفي استخدام الرموز الدينية لتبرير النفوذ الحزبي وتحصين السلطة من المساءلة.
أولاً: من تمثيل المذهب إلى احتكار الدولة
كان من المفترض أن تؤسس المرحلة الجديدة لدولة المواطنة والمؤسسات، وأن تكون التجربة السياسية فرصة لتجاوز الاستبداد والتهميش والتمييز.
لكن الممارسة السياسية أظهرت أن المحاصصة الحزبية والمكوناتية أصبحت إحدى المشكلات البنيوية في إدارة الدولة.
فبدلاً من أن يكون المنصب العام مسؤولية وطنية، تحولت بعض مؤسسات الدولة إلى ساحات لتقاسم النفوذ، وأصبح الانتماء الحزبي والمكوناتي في حالات عديدة منافساً لمعيار الكفاءة والاستحقاق.
وهنا يجب التمييز بين تمثيل المكونات، وهو حق سياسي مشروع في مجتمع تعددي، وبين تحويل مؤسسات الدولة إلى حصص مغلقة تتوارثها الأحزاب.
فالمواطن لا يريد وزيراً يمثل حزباً أو مذهباً، بقدر ما يريد وزيراً يمثل الدولة ويؤدي واجباته تجاه جميع العراقيين.
ثانياً: النفط والثروة وسؤال الأمانة العامة
العراق بلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة، وموارد بشرية، وموقعاً جغرافياً، وإمكانات زراعية وصناعية وتاريخية مهمة.
ومع ذلك، بقيت ملفات البطالة، والفقر، وضعف البنية التحتية، وتراجع الخدمات، ومشكلات الكهرباء والمياه والتعليم والصحة حاضرة في حياة المواطنين.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: كيف تتحول الثروة التي يُفترض أن تكون أساساً للرفاه الاجتماعي إلى موضوع دائم للنزاع السياسي والمالي والإداري؟
إن السؤال لا يتعلق بوجود المطاعم والمولات والمقاهي، فهذه أنشطة اقتصادية مشروعة، ولا ينبغي أن تكون موضع اعتراض بحد ذاتها.
إنما الاعتراض يتعلق باختلال الأولويات التنموية، عندما يتقدم الاستهلاك التجاري في المشهد الحضري، بينما لا يحصل التعليم والبحث العلمي والصحة والصناعة والزراعة على ما تستحقه من اهتمام واستثمار.
ليس المطلوب إغلاق المطاعم، بل بناء المدارس والمختبرات والمستشفيات والمصانع إلى جانبها.
وليس المطلوب محاربة الاستثمار الخاص، بل ضمان أن تكون هناك تنمية وطنية متوازنة توفر فرص العمل، وتوسع الإنتاج، وتقلل الاعتماد على الاستيراد.
أما الفساد، فلا يجوز التعامل معه بوصفه اتهاماً عاماً يُطلق على الجميع، بل يجب تحويله إلى ملفات قانونية محددة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هدر المال العام أو الاستيلاء عليه، بصرف النظر عن حزبه أو مذهبه أو موقعه.
ثالثاً: حين يصبح المقدس مظلة سياسية
من أخطر الإشكاليات التي واجهت العراق الخلط بين احترام الدين واحترام الأحزاب التي تتحدث باسمه.
فقد وجد المواطن نفسه أحياناً أمام خطاب سياسي يربط الموقف من الحزب بالموقف من المذهب، ويربط نقد المسؤول بالتشكيك في العقيدة، وكأن السلطة السياسية أصبحت امتداداً للمقدس.
وهذا الخلط يضر بالدين قبل أن يضر بالدولة؛ لأنه يضع العقيدة في مواجهة المحاسبة، ويجعل الأخطاء السياسية تبدو وكأنها أخطاء لا يجوز الاقتراب منها.
إن الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- حاضر في الوجدان الإسلامي بوصفه رمزاً للعدل والزهد والمسؤولية، لكن استحضار اسمه لا يعفي أي مسؤول من السؤال عن المال العام والعدالة الاجتماعية وحقوق الناس.
فليس من الإنصاف أن يُستحضر تاريخ الزهد والعدل في الخطب، بينما تتحول المناصب العامة إلى امتيازات، وتبقى احتياجات المواطنين الأساسية معلقة بين الوعود والميزانيات.
إن احترام الرموز الدينية يكون بالاقتداء بقيمها، لا باستخدام أسمائها لتوفير حصانة سياسية للمسؤولين.
رابعاً: السيادة الوطنية وازدواجية الولاء
لا يمكن الحديث عن الولاء للوطن من دون الحديث عن استقلال القرار الوطني.
فالعراق دولة ذات سيادة، ومن مقتضيات هذه السيادة أن تكون قراراتها السياسية والأمنية والاقتصادية صادرة عن مؤسساتها الدستورية، وأن تخضع للمصلحة العراقية أولاً.
إن وجود علاقات دينية أو ثقافية أو سياسية مع دول أخرى ليس مشكلة في ذاته، فالعلاقات بين الدول تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتقدم التزامات تنظيمية أو عقائدية أو سياسية خارجية على الدستور والمصلحة الوطنية، أو عندما تتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري خارج إطار الدولة.
ولا يمكن لأي دولة أن تحقق الاستقرار والتنمية إذا لم تكن صاحبة القرار في الحرب والسلم، وإذا لم يكن السلاح والقرار الأمني خاضعين لسلطتها القانونية.
إن سيادة العراق ليست موضوعاً قابلاً للتجزئة، ولا ينبغي أن تكون خاضعة لمعادلات النفوذ الإقليمي أو التنافس بين المشاريع السياسية العابرة للحدود.
خامساً: المواطن العراقي بين الشعارات وضرورات الحياة
ماذا يريد المواطن العراقي اليوم؟
يريد مدرسة جيدة لأطفاله، ومستشفى يحترم كرامته، وكهرباء مستقرة، وماءً صالحاً للشرب، وفرصة عمل تحفظ له كرامته، وطريقاً آمناً، ومؤسسات لا تطالبه بالوساطة الحزبية للحصول على حقه.
هذه ليست مطالب ترفيهية، بل هي الحد الأدنى من واجبات الدولة.
فالدولة لا تُقاس بعدد المؤتمرات السياسية ولا بكثرة المناسبات والشعارات، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى خدمات وفرص وعدالة.
ومن غير المقبول أن تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للولاء الحزبي، أو أن يصبح الحصول على الحقوق مرهوناً بالانتماء السياسي أو المذهبي.
إن المواطن الذي لا يجد علاجاً أو عملاً أو تعليماً مناسباً لا تعوضه الخطب الطويلة عن التنمية، ولا تكفيه الشعارات عن العدالة.
سادساً: من دولة العقائد السياسية إلى دولة المواطنة
ليس المطلوب إقصاء الدين عن المجتمع، ولا محاربة المتدينين، ولا حرمان الأحزاب ذات المرجعيات الدينية من العمل السياسي.
المطلوب هو وضع حد فاصل بين حرية الاعتقاد واحتكار السلطة.
فمن حق الحزب الديني أن يشارك في الانتخابات، ومن حق المواطن أن يختار من يراه مناسباً، لكن ليس من حق أي حزب أن يعتبر الدولة ملكاً له بعد وصوله إلى السلطة.
كما أن المرجعية الدينية تستطيع أن تمارس دوراً أخلاقياً واجتماعياً وإصلاحياً، وأن تدعو إلى النزاهة والعدالة وحفظ الحقوق، لكن إدارة الدولة ومؤسساتها يجب أن تبقى خاضعة للدستور والقانون والمساءلة العامة.
إن العراق يحتاج إلى مشروع وطني لا يسأل المواطن عن مذهبه قبل أن يمنحه حقه، ولا يسأل الموظف عن انتمائه الحزبي قبل أن يقيس كفاءته، ولا يجعل الولاء السياسي بديلاً عن الولاء للدستور.
الخاتمة
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به كل مسؤول عراقي نفسه ليس: كم مرة تحدث باسم العقيدة؟ بل: ماذا قدم للوطن؟
كم مدرسة أنشأ؟ وكم مستشفى طور؟ وكم مصنعاً أعاد إلى العمل؟ وكم فرصة عمل وفَّر؟ وكم ديناراً من المال العام حافظ عليه؟ وكم مواطناً أنصفه دون النظر إلى هويته؟
هذه هي الأسئلة التي تكشف حقيقة المسؤولية السياسية.
إن الولاء للوطن أم العقيدة ليس صراعاً بين الإيمان والوطن، بل هو اختبار لحدود السلطة وشرعية الممارسة السياسية.
فالعقيدة لا تعطي أحداً ملكية الدولة، والمذهب لا يمنح حصانة من القانون، والحزب لا يصبح وطناً بديلاً عن الوطن.
نحن لا نريد وطناً بلا عقيدة، بل نريد وطناً لا تصادره عقيدة سياسية، ولا يحتكره حزب، ولا تستأثر بثرواته جماعة، ولا يصبح فيه المواطن غريباً في بلده.
نريد دولة يكون فيها الدين مصوناً، والعقيدة محترمة، والمواطنة متساوية، والسيادة عراقية، والقانون فوق الجميع.
فالوطن الذي يتساوى فيه أبناؤه هو الذي يحمي عقائدهم، أما الوطن الذي تتنازعه الولاءات السياسية المتنافسة فلن يجد مواطنوه فيه ما يستحق أن يختلفوا من أجله سوى كرامتهم وحقوقهم ومستقبل أبنائهم.






