زاكروس - أربيل
بين الحين والآخر، تفرض بعض الأعمال الروائية نفسها على القارئ، فلا تكتفي بأن تُقرأ، بل تستدعي التأمل والتوقف عندها. فمن بين عشرات الروايات التي تصدر سنوياً، يبرز عمل أو اثنان يمتلكان من قوة الأسلوب وعمق الفكرة وخصوصية الطرح ما يجعلهما جديرين بالالتفات، وربما يتركان نهاية تظل عالقة في ذاكرة القارئ طويلًا.
ومن بين هذه الأعمال، تأتي رواية الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي "عروس قونيا... محاكمة شمس التبريزي"، التي اختارت أن تستعيد سيرة إحدى الشخصيات التاريخية الحقيقية التي لم تحظَ بالحضور الذي تستحقه في السرد التاريخي، إذ لم ترد عنها سوى إشارات عابرة في كثير من المصادر. ومن خلال قالب روائي أدبي، تعيد الكاتبة بناء هذه السيرة، مقدمةً قراءة تتداخل فيها الحقيقة التاريخية مع الخيال الروائي، لتفتح باباً جديداً للتأمل في واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للأسئلة في التاريخ الصوفي.
من الهامش إلى الرواية
بدأنا هذا الحوار بسؤال الكاتبة والروائية اللبنانية رشا مختار دندشلي عن الشرارة الأولى لفكرة الرواية وكيف بدأت الرحلة، فأجابت بأن "الشرارة الأولى وُلدت قبل أكثر من خمسة عشر عامًا عندما قرأت رواية "قواعد العشق الأربعون"، لكن الفكرة آنذاك مرّت بي مرور الكرام".
وأضافت "أما الشرارة الحقيقية فجاءت لاحقًا، وتحديدًا بعد أن تبحّرت في الفكر الصوفي وألممت بأبعاده، إذ استوقفتني مجددًا قصة الرومي والتبريزي، وتلك الطفلة اليتيمة التي نشأت في كنف الرومي، والتي صوّرها بعض الأدباء كشخصية غريبة الأطوار هامت عشقًا بالتبريزي وطلبت الزواج منه وهي في الثانية عشرة من عمرها، بينما كان هو في الخامسة والستين، وبارك الرومي هذا الزواج لضمان بقاء شمس في قونية ومنع اختفائه مجددًا".
وأوضحت أنها "عندما أصبحت كاتبة عادت إلى قراءة الرواية بوعي مختلف ورؤية نقدية، كما قرأت رواية "بنت مولانا" للكاتبة الفرنسية موريل مفروي، لكنها لم تقتنع بالفكرة أو بالطريقة التي سُوِّقت بها، الأمر الذي دفعها إلى البحث والتقصي في سِيَر الرومي والتبريزي، فقرأت للمؤيدين لهما مثل أحمد أفلاكي، كما اطلعت على آراء المعارضين".
وترى الكاتبة أن هذا البحث كشف لها وجود تهميش واضح وممنهج لقصة تلك الفتاة الصغيرة، مؤكدة أن "الشخصية وردت في أمهات المراجع والسير، لكنها ذُكرت بإيجاز شديد، وكأن ثمة تعمدًا لإبقائها في الهامش".
وأشارت إلى أن "رحلة التحقيق التاريخي كشفت لها وجهًا مغايرًا لما روّجت له بعض الروايات الحديثة، إذ تذكر المراجع أنها توفيت بعد أيام قليلة من زواجها نتيجة صدمة عصبية حادة تعرضت لها بعدما عنّفها التبريزي بسبب خروجها من المنزل دون إذنه، مع وجود تلميحات إلى علاقة عاطفية جمعتها بعلاء الدين، ابن الرومي، الأمر الذي أثار غيرة التبريزي وحنقه".
واختتمت حديثها بالقول "سرعان ما تولد داخلي تعاطف إنساني وروائي جارف مع هذه الطفلة، لا سيما أن شخصيتين بحجم الرومي والتبريزي لم تذكراها في كتاباتهما، كما أنها حُرمت حتى من قبر يحمل اسمها في قونية. ومن هذا الهامش المنسي، ومن الظلم التاريخي الذي وقع عليها، وُلدت الرغبة في كتابة الرواية، بوصفها محاولة أدبية لإنصافها وتسليط الضوء على قصة طمسها التاريخ".
التصوف والرواية
القارئ للرواية يلاحظ مدى تأثر الكاتبة بعالم التصوف، خصوصاً أن أحداث الرواية تدور في عصور كان التصوف فيها يعيش عصره الذهبي في مختلف أقطار العالم الإسلامي. وعن هذا التأثر، ترى الكاتبة أن "تبحرها في عالم التصوف جاء كضرورة إبداعية وبحثية صقلتها من خلال أدواتها الروائية لبناء مناخات الرواية وصياغة عوالمها الروحية والفلسفية".
وأضافت أن "الدخول إلى هذا العالم الرحب لم يكن خياراً لسلوك هذا المضمار أو الانتماء إليه كمسار شخصي".
الموت والتحرر
وحول سؤالها فيما إذا كان الموت يحرر الإنسان من تكراره، ترى الكاتبة رشا مختار أن الموت، في جوهره، يمثل الانعتاق الأسمى من رتابة الدائرة الدنيوية المغلقة.
وقالت إن "الروح، هذا السر العظيم، تظل أسيرة الجسد، ولا تجد خلاصها الكامل وتتحرر من سجن التكرار الخاضع للزمن إلا عبر هذه البوابة".
وأضافت أن "من مفارقات الموت العجيبة أنه يحرر الإنسان أيضاً من "الخوف منه"، ذلك الخوف الأزلي النابع من كونه التجربة الأشد إبهاماً وغموضاً والتي لم يمر بها أحد ثم عاد ليروي لنا تفاصيلها لكي يستعد الباقون لها".
وأوضحت أن "هذه الحقيقة حتمية ولا يُستثنى منها أحد، فإن إدراكها يتجاوز قلق الفناء إلى تسليم مطلق، يتحول معه الموت من فكرة مرعبة إلى أفق للتحرر النهائي، ليعيد صياغة الوجود الإنساني خارج قيود التكرار والمجهول".
فجيعة الغياب
وحول ما إذا كانت فجيعة الموت تكمن في فراق الأحبة وفقدانهم، أم في انتظار الموت نفسه، ترى الكاتبة رشا مختار أن الفجيعة الحقيقية للموت "هي عملة ذات وجهين متكاملين".
وقالت إن "فجيعة الموت تتبلور أولاً في مرارة فراق الأحبة وما يتركه الغياب من ألم وغصة لدى الأحياء، بينما يتجلى وجهها الآخر في قلق الانتظار".
وفي هذا السياق، أشارت الكاتبة إلى تأثرها برواية "الموت السعيد"، لألبير كامو، مؤكدة أن "بطلة الرواية حاولت إسقاط هذه الفلسفة على واقعها عندما قررت إنهاء حياتها كوسيلة للتحرر من معاناة أثخنتها وأعياها البحث عن حلول لها سوى الموت".
وأوضحت أن "بطلة الرواية ورغم أنها لم تكن سعيدة الحظ لتنعم بذاك "الموت السعيد"، في شقه المادي، إلا أنها عبر هذه التجربة القاسية اكتشفت بعداً أعمق: إن الموت السعيد الحقيقي لم يكن في فناء الجسد، بل في موت النسخة القديمة منه".
وأشارت إلى أن "ذلك قد تحقق، أي الموت الرمزي، حين واجهت مخاوفها وظلالها الداخلية، لتولد من جديد متحررةً من قيود ماضيها".
القدر والإرادة
ولدى سؤالها عن سبب شعور بعض الناس بالهلع لمجرد سماع كلمة «القدر»، أوضحت أن "هذا الهلع يعود ببساطة إلى أن الوعي الجمعي دأب على ربط مفهوم القدر بالفواجع والكوارث والنهايات الحزينة، في حين أن القدر في حقيقته أرحب من ذلك بكثير".
وأضافت أن "القدر، من منظوري، هو ما يخطّه الإنسان في متن قصته الوجودية؛ فالإنسان هو من يختار مسارات قدره عبر قراراته وإرادته الحرة، وإلا فما الحكمة من الحساب والمسؤولية الأخلاقية أمام الله عز وجل؟".
وأكدت أن "الفواجع والخطوب التي تعترض طريقنا مرارًا ليست أحكامًا بلا مغزى، بل هي منعطفات اضطرارية ودروس درامية قاسية تأتي لإيقاظ الوعي، ودفع الإنسان إلى إعادة حساباته ومراجعة ما خطّته يداه".
وأشارت إلى أن هذه المحن تمثل "فرصة كبرى لتصحيح المسار، وإعادة كتابة القصة بصورة أكثر عمقًا ووعيًا".
العامية والنص







