زاكروس - أربيل
في عالم الرواية هناك دائما اصوات روائية فذة، تترك مساحات للتأمل لدى القراء، مساحات لا تقتصر على نوعية العمل الروائية فقط بل تتعدها لجوهر الطرح من فكرة، وطريقة سرد، وشخصيات قد تطبع اثرها في ذهن المتلقي دائما.
وحين نأتي إلى المشهد الأدبي، تبرز الشاعرة والأديبة الكوردية فينوس فائق واحدةً من تلك الأصوات التي ملأت فضاء الشعر والرواية بإبداعات سحرت القراء من مختلف المشارب. هي شاعرة قبل ان تكون روائية ولعل خلفيتها الاكاديمية والشعرية تمنحها ألادوات اللغوية المطلوبة لبناء عمل أدبي قائم على السرد والفكرة والأحداث والشخصيات، قد لا يتوافر الأمر بالضرورة لدى الروائي الذي لم يسبق وأن مر بتجربة شعرية؛ وهذه الميزة بالذات هي إحدى الركائز التي مكنتها من كتابة عملها الروائي الثالث، والأول باللغة العربية بعنوان 'سيرة وجع' الصادر حديثاً عن دار قناديل للنشر والتوزيع بغداد "سبق وأن أصدرت الشاعرة فينوس فائق روايتين باللغة الكوردية".
تأتي رواية "سيرة وجع"، كعمل أدبي يعكس مأساة الإنسان الكوردي في ظل نظام البعث البائد الذي بني على دماء ودموع الضحايا، لترصد التحولات النفسية والمكانية، محاكيةً المضامين الإنسانية كالألم، والذاكرة، والحروب، والمعتقلات، إلى جانب التعقيدات النفسية، لتفتح بذلك صفحة أدبية جديدة تسلط الضوء على عمق المأساة التي عاشها الشعب الكوردي تحت سطوة نظام دموي يحكم بالحديد والنار، كحال الانظمة القمعية التي اعتاشت على مأسي الشعوب ووهم الانتصارات.
في هذا الحوار، نلتقي الشاعرة والكاتبة الكوردية فينوس فائق لنسلط الضوء على أبرز مضامين وافكار عملها الروائي الجديد الاول باللغة العربية "سيرة وجع". نبحر معها في الدلالات النفسية والرمزية خلف اختيار العنوان، ونكتشف كيف وظفت تقنيات الشعر وفلسفته في بناء عالمها السردي. كما نتوقف عند سؤال العزلة وكيف وضفت تقنيات الشعر وفلسفت هفي بناء عملها الروائي الاول باللغة العربية وفيما اذا كانت العزلة ضرورة من ضرورات العصر الرقمي، وكيف جسدت مشاعر الغربة والحنين في "سيرة وجع".
كيف تصفين شعوركِ بعد خروج "سيرة وجع" إلى النور، وكيف ترين تفاعل القراء مع عمل يختزل هذا الكم من المشاعر؟
كون هذه الرواية هي مشروعي الروائي الأول باللغة العربية، أستطيع أن أقول أنني أشعر بسعادة كبيرة، أولا لأني قدمت منجز ثقافي في إطار رواية تتناول قصة وجع حقيقية، وتتناول أيضا جوانب من تأريخ الشعب الكوردي خلال فترة مظلمة إبان حكم حزب البعث المقبور الذي كان يحكم العراق وكوردستان بالحديد والنار. وظفت جوانب من هذا التأريخ في الرواية بعناية حتى يطلع القاريء العربي عليها من خلال أحداث الرواية. في الحقيقة أجد تفاعل القاريء العربي مع الرواية في مستوى طموحي، إذ أنني أثق بذائقة القاريء العربي الجاد، المهتم بمثل هذه القصص ومثل هذه القضايا. لأن الرواية أحيانا تكون بمثابة توثيق صادق لجوانب تأريخية مهمة في حياة شعوبنا.
ما هي الدلالات النفسية والرمزية خلف اختيار عنوان "سيرة وجع" لهذا العمل الأدبي؟ وكيف انعكس هذا العنوان على البناء العام للسرد؟
هذه ثالث تجربة روائية لي، الأولى والثانية باللغة الكوردية، وهذه باللغة العربية، وبطبيعة الحال أصعب وأهم جزئية بعد إنجاز نص شعري أو روائي، على الأقل بالنسبة لي، هو إختيار عنوان يليق بالنص وببطل أو بطلة الرواية، أو بالقيمة التأريخية لأحداث الرواية.
أنا أوؤمن أن الوجع الجسدي قد يكون له سبب واضح ومعروف، لكن الوجع النفسي أو المعنوي مساحته أوسع يتعدى الجسد، بحيث ممكن أن يكون وجع الذاكرة، أو الفقد أو الخذلان، أو وجع وطن يخذلك.. إلى آخره. كلمة "سيرة" هنا تمنح حالة الوجع شخصية وملامح، ومسارا زمنيا، لأنها ترتبط بحياة ومراحل تأريخية وذاكرة إنسانية منهكة. فالـ"الوجع" هنا لا يكون حالة عابرة، بل هي تجربة قاسية عاشها إنسان وأصبحت جزءا لا يتجزء من سيرته. من هنا جائت تسمية الرواية بـ "سيرة وجع". فالعنوان للوهلة الأولى يوحي بمضمون النص، وتجد إنعاسه على البناء العام للسرد. فأنت مع قراءة الرواية تشعر بعمق المأساة وكم الوجع، وبما أن الرواية هي سيرة البطلة، طبيعي أن تكون سيرة وجع البطلة التي تمثل وجع مجتمع بأكمله.
روايتك هذه "سيرة وجع" تتشارك في العنوان مع عمل روائي للكاتب السوداني أمير تاج السر، هل إنتبهت لهذا التشابه مبكرا، وكيف تداركت هواجس التداخل لتثبتي بصمة نصك الخاص؟
للأسف لم أعرف سابقا أن هناك رواية بإسم (سيرة وجع)، لو كنت على دراية ربما كنت غيرت العنوان. بعد صدور الرواية ونشر خبر صدورها على صفحتي في الفيسبوك، نبهني أحد الأصدقاء إلى تشابه إسم روايتي مع رواية الروائي السوداني أمير تاج السر. فأخذني الفضول وبحثت في غوغل عن الرواية وعن مضمون الرواية والثيمة الأساسية التي يرتكز عليها الكاتب في روايته. وجدت إختلاف كبير بين قصة وأحداث الروايتين، رواية (سيرة وجع) للروائي أمير تاج السر التي هي سيرة شخصية للكاتب نفسه، وتجربته كطبيب وإنتقاله بحكم عمله إلى منطقة بعيدة على الحدود السودانية الإريتيرية، إذ يروي سيرة مكان والناس المقيمين في ذلك المكان، أو هي سيرة مجتمع مريض حسب وصف الموقع الذي إطلعت فيه على محتوى الرواية. فهي رواية لها أبعاد إجتماعية أكثر منها سياسية وقومية.
أما روايتي التي هي أيضا سيرة لكن ليست سيرتي الشخصية، إنما سيرة بطلة أخرى، لكن القصة التي بنيت عليها أحداث الرواية مختلفة تماما، تحمل أبعاد سياسية وقومية إضافة إلى بعض الجوانب المجتمعية في حياة شعب مضطهد سياسيا كان يعاني في ظل حكم مستبد، فروايتي "سيرة وجع" هي بمثابة توثيق لسيرة بطلة الرواية إضافة إلى توثيق جانب من تأريخ الشعب الكوردي. روايتي "سيرة وجع" تتحدث عن بطلة تعرضت إلى شتى أنواع التعذيب في سجن أوغريب، والنتائج التي ترتبت على تلك الأحداث فيما بعد. لذلك عدى تشابه الإسم، فإن الروايتين مختلفتين تماما من حيث المضمون والسرد الروائي.
إلى أي مدى تعتبر "سيرة وجع"، توثيقاً لذاكرة شخصية بحتة، أم أنها تمثّل صوتاً جمعياً لمعاناة واجهتها الشاعرة والكاتبة في مسيرتها بين العراق والمهجر؟
هي بالحقيقة توثيق لذاكرة شخصية بالأساس، لكنها بالنهاية نموذج من قصص ومآسي حدثت في تلك المرحلة السوداء من تأريخ كوردستان، لذلك فهي تمثل ذاكرة جمعية، والبطلة تمثل جميع من عانى مثلها في ذلك الزمن القاسي، أو هو صوت جمعي يأبى أن يتطرق لمثل هذه القصة لحساسيتها وكونها تمس الإنسان المقهور في وجدانه وإنسانيته. لذلك هي تمثل صوتا جمعيا لمعاناة وإن لم أعشها بنفسي، لكنني عشتها من خلال كوني جزء من ذلك الواقع في الماضي، وأيضا قربي من البطلة الحقيقية وقصتها التي تركت آثارها النفسية العميقة لدي. وبما أنها قصة حدثت في كوردستان، في فترة مظلمة من تأريخنا القومي والسياسي، فهي ظلت ملتصقة بي طوال هذه السنين، أو كنت مصابة بمصاب البطلة الحقيقية التي كنت أعرفها شخصيا، فلجأت إلى كتابة قصتها كمحاولة للشفاء منها ومن أوجاعها. ولأنك تجد نفسك تلتصق بتجارب أبطالك الحياتية، وتمتزج بتجربتك الخاصة، حتى يغدو ماضيك متخما بذكريات معهم، تلك الذكريات التي لم تعشها أنت بنفسك، لكنها باتت جزءًا لا يُنتزع من روحك. فتكون الكتابة في هذه الحالة بمثابة محاولة لرتق الشقوق التي أحدثها ذلك التأريخ في أرواحنا. وأنا كنت أحمل هذا الوجع سنين طوال، إلى أن قررت أن أحولها إلى رواية، علني أشفى منها.
عُرفت فينوس فائق بشاعريتها ولغتها الرقيقة؛ كيف وضفت الكاتبة تقنيات الشعر وفلسفته "فهي خريجة فلسفة وشاعرة معروفة"، داخل البناء السردي والنثري للرواية؟







