زاكروس - أربيل
لا تبدو رواية "الكهل الذي نسي"، للروائي الجزائري سمير قسيمي عملاً سهلاً، لا من حيث الأسلوب ولا البناء، بل هي نص عميق الدلالة، كما هو معتاد في أعماله. قد يوحي العنوان ببساطة أولية، لكنه يفتح في الحقيقة بابًا واسعًا للتأويل، بينما يكمن العمق الحقيقي في التفاصيل الدقيقة التي يزرعها الكاتب داخل وعي القارئ. الرواية الصادرة عن دار هاشيت أنطوان عام 2026 تضع القارئ أمام ثلاثة عوالم سردية رئيسية: مريض نفسي تائه بين ذاته ومن حوله، ودائرة الكتّاب المجهولين، وعمارة الوصفان.
هذه العوالم لا تتكشف بسهولة، بل تتطلب قارئًا يشارك في بناء المعنى لا استهلاكه فقط.
في هذا الحوار، نقترب من رواية "الكهل الذي نسي"، مع كاتبها سمير قسيمي، لفهم الأسئلة التي تفتحها أكثر مما تقدم من إجابات.
ما قبل الكلمات
في سياق فقدان الذاكرة، ماذا يرمز فعل الكهل حين يرسم خطًا مستقيمًا ودائرة ونقطة فوق ورقة بيضاء؟
يرى سمير قسيمي أن "هذا الفعل يرمز إلى محاولة الإنسان البدائية لإعادة بناء عالمه، وإعادة تأسيس وجوده بعد الفقدان".
ويضيف أن الخط المستقيم "قد يحيل إلى الزمن أو إلى المسار الذي سلكه الإنسان ويحاول استعادته"، فيما ترمز الدائرة إلى "الذات أو العالم المغلق أو حتى اللانهاية"، بينما تبدو النقطة "بدايةً أو نهايةً أو مركزًا للوجود".
ويؤكد قسيمي أن هذه الأشكال تمثل "لغة بدائية، لغة ما قبل الكلمات"، ومحاولة لإيجاد معنى داخل الفراغ، وإعادة تعريف الذات عبر أبسط الرموز، بوصفها فعل مقاومة للنسيان وإثباتًا للوجود، حتى وإن كان مجرد أثر فوق ورقة بيضاء.
بداية لا تنتهي
تنتهي الرواية بنقاط حذف لا بنقطة: "...الآن بدأت". ما الذي تفتحه هذه النقاط الثلاث؟
يرى سمير قسيمي أن النهاية المفتوحة كانت حاضرة في ذهنه منذ البداية، قائلاً: "كنت أعرف منذ البداية أن الرواية ستنتهي بنقاط حذف، لا بنقطة نهاية حاسمة... حتى كتبت الجملة الأخيرة: "...الآن بدأت".
ويضيف أن هذه النقاط لا تعني نهاية الرواية، بل إحالتها إلى "استمرارية لا تتوقف، إلى بداية جديدة"، موضحًا أن "سمير لا يصل إلى حل نهائي بقدر ما يصل إلى بداية أخرى، رواية جديدة تتشكل من رماد الماضي ووعي الحاضر".
ويؤكد قسيمي أن النقاط الثلاث ليست موجهة إلى القارئ فقط، بل إلى الشخصية نفسها، بوصفها إشارة إلى أن "دائرة البحث عن الذات والحقيقة لا تكتمل، بل تنفتح من جديد على عوالم وإمكانيات لا حصر لها".
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الكتابة "لا تضع حدًا فاصلاً، بل تُحيل دائمًا إلى كتابة أخرى، إلى سؤال جديد، إلى رحلة لا تتوقف".
معتبرًا أن "النص الحقيقي يمتد إلى ما بعد الصفحة الأخيرة، في ذهن القارئ وفي حياة الكاتب".
اللوحة التي كانت تنتظر الرواية
هل قصدت منذ البداية أن يكون أغالو – الرجل الملموس في ورشة للكتابة للمجهولين، ولوحة لعبد الطارق في متحف باردو – أم أن الرواية وصلت إلى هذا المعنى قبلك أنت؟
يرى سمير قسيمي أن "الرواية تسبقني دائماً، وهذا ليس تواضعاً بقدر ما هو إقرار بحقيقة الكتابة كما أعيشها وأعرفها. إنها عملية اكتشاف مستمرة، رحلة تكتشف فيها المعاني والشخصيات تدريجياً، وكأن النص يمتلك وعيه الخاص الذي يوجه الكاتب أحياناً إلى مسارات لم يكن يتوقعها".
ويضيف: "حين رسمت الرجل المثلث في الجلسة الأولى من الورشة، كان هناك شعور غامض يراودني بأنه يحمل ثقلاً وجودياً، سراً لا أفهمه بعد. وجهه لا يكتمل في وعيي، ابتسامة، حكمة وألماً لا يمكن للكلمات أن تصفهما في تلك اللحظة، تسكن العينين لا الشفتين".
ويتابع: "كتبت عنه ثلاثة فصول، في تفاصيله، في حركاته، في صمته المطبق، في تأثيره على الآخرين، قبل أن يُدرك – في لحظة كتابة لا تفكير، لحظة تتجاوز المنطق الواعي – ويلمس حدس الكاتب أن هذا الرجل كان ينتظرني في متحف باردو، حرفياً".
ويشير قسيمي إلى أن "تلك اللوحة، لوحة عبد الطارق، قد حُفرت في ذاكرتي البصرية قبل سنوات، عينيه تخترقان الزمن، تحملان تاريخاً من الصمود والمعاناة. لم أكن أربط بينهما بشكل واعٍ، لكن اللاوعي كان يعمل، ينسج خيوطاً غير مرئية بين الصورة والكلمة".
ويواصل حديثه قائلاً: "حين كتبت مشهد اللوحة في الرواية، توقفت طويلاً، وشعرت وكأنني أضع قطع أحجية في مكانها الصحيح. حينها فهمت أن الورشة، بكل غموضها وشخصياتها، كانت تعيد إنتاج ما عرفه عقلي الباطن قبل أن يعرفه عقلي الواعي".
ويختتم بالقول: "كانت تعيد تشكيل تلك الذاكرة البصرية في قالب سردي، لتكشف عن هوية أغالو أمات، الشخصية المحورية التي كانت تتوارى خلف الأقنعة واللوحات. هذا التداخل بين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، بين ما يُرى وما يُكتب، هو ما يمنح الرواية عمقها وتأثيرها".
خديجة... مرآة لا تكذب
تظهر خديجة في ثلاثة أوجه عبر طبقات الرواية، وفي كل مرة تقول له شيئاً واحداً بصيغ مختلفة. هل تعكس أزمة سمير أم تدفعه نحو المواجهة؟
يقول سمير قسيمي أن "خديجة هي الشخصية الوحيدة في الرواية التي لا تكذب، لا في الطبقة الهلوسية التي تتداخل فيها الحقائق بالأوهام، ولا في السيرة الحقيقية التي تحاول الرواية استعادتها. إنها مرآة صادقة، صوت الحقيقة الذي لا يرفض أن يتلاشى".
ويضيف: "في كل ظهور تقول له شيئاً واحداً، جوهرياً، يتردد صداه في أعماقه: "أنت من اختفى لا نحن". هذه الجملة ليست مجرد اتهام، بل هي مفتاح فهم أزمة سمير، لأنه الشيء الوحيد الذي يحتاجه أن يواجه حقيقته المؤلمة، ويرفض سماعه في آن واحد".
ويتابع: "هل تعكس أزمته؟ لا، بل تسبق أزمته، كانت ترى ما لم يره بعد، تمتلك بصيرة تتجاوز حدود وعيه".
ويشير قسيمي إلى أنه "حين تتركه في المقهى بتلك الجملة الأخيرة التي تبدو قاسية للوهلة الأولى – "لن تحب أحداً كما تحب الكلمات" – لم تكن تتهمه بالبرود أو الانفصال العاطفي، بل كانت تُعرّفه بنفسه، تقدم له وصفاً دقيقاً لذاته، لحقيقة وجود كاتبه يتنفس الكلمات ويعيش من أجلها، فغشقه بالكتابة كان جزءاً لا يتجزأ من هويته، وكأنه كان يختبئ خلف الكلمات ليواجه العالم".
ويؤكد أن "الفرق بين الأمرين كبير، بين الاتهام والتعريف، وقد استغرقت حياته كاملة ليدركه".
ويواصل حديثه قائلاً: "خديجة هنا ليست مجرد شخصية، بل هي قوة دافعة، محفز للمواجهة، صورة لا يمكن تجاهلها تدفع سمير نحو استعادة ذاته المفقودة".
وفي حديثه عن علاقته بالشخصية، يقول قسيمي: "ما يؤلمني في خديجة، ككاتب، هو أنني لا أعطيها ما تستحقه من مساحة في السرد. إنها أكثر شجاعة من سمير بمراحل، تحمل إرثاً أسود في مجتمع يفرض عليها قيوداً وتوقعات لا تتناسب مع روحها الحرة، مجتمع يؤذيها بصمته قبل كلماته".
ويضيف: "تقرأ كامو في محاضرة قانون، تعرف أن الخرائط القديمة تبحث عن أماكن لم تعد موجودة، في إشارة إلى وعيها بعبثية البحث عن حقائق ثابتة في عالم متغير، ودلالة على عمق تفكيرها وتمردها على المألوف".







