فاضل ميراني
لن تنتهي نتائج الحرب الرابعة بنسختها (باء) عندما يعتقده كثيرون من نتائج حالية، فنتائج الحروب تستمر في تأثيرها، ومن لا يريد فهم ذلك فهذا شأنه.
حتى سلام الحرب يختلف عن السلام النقي الذي لا جذور له من نزاع.
تبدل السياسات هي احدى خلايا الحرب المتوقعة وإن تأخرت، فخلال بدايات هذا القرن والقرن الذي قبله، هزت المجتمع بين عنف وعنف اخف، حروب من مدخرات المشاريع السياسية التي امسكت عنان كيانات سياسية لتتحكم فيها، البعثان في العراق وسوريا، زوال شاه ايران، الصراع العربي المتعدد التوجهات والرؤى و الادوات قبالة اسرائيل، دول المغرب العربي وقضايا الصحراء، ورفقة ذلك تبدلات اجتماعية وعَقَدية مؤثرة، تدافعت كلها واندفعت لتحدث ما نعيش نتائجه الان وقبل ومستقبلا.
أمام مصالح الشعوب، المصالح الطبيعية، المصالح الحقّة، يكون قرار الحرب مرعب، ومخيف، اذ لا ضمان للنتائج، فالتشابك الدولي معقد، وما يراه قصيرو الأفق في السياسة لا يعكس المسافة الحقيقية وما فيها.
لا يوجد طرف راغب في الحرب يبث دعاية تفنّد ضرورة عنفه، هذه طبيعة بشرية لئن تفيد في صراع شخصي فهي كارثة في القرار السيادي.
الآن سكنت النيران الكبرى في هذا النزاع متعدد المحاور، نزاع بين التحكم بالجغرافيا، وبين تباين الحضارات، وبين الدوافع، وخارج التقييم الأخلاقي والرومانسية، فالحرب تكشف الهشاشة من القوة، خلالها وبعدها.
بعيدا ايضا عن الدعاية الترميمية لتحويل الخسارة العسكرية لربح خارج جردة محددة تتعلق بتفصيلة المواجهة، فإن القضية تحتاج لمواجهة الواقع، وفرش خريطة لنكتب الحاصل، هل تم حفظ المساحة، ماذا حدث في البقعة التي حدثت فيها المواجهة، هل كان الدفاع بمستوى الهجوم، بأختصار ماهي الأرباح وماهي الخسائر، وقبل كل هذا هل كان ممكنا تجنّبُ المواجهة؟
الجواب على سؤال التجنب قد يطرحه كثيرون، لكن تنفيذه يقترن بالحنكة وهي شحيحة هذه الأيام.
طريقان أساسيان في إدارة الدول، أكثرهما ازدحاما هو درب افتعال الأزمات والتورط بها، هذا درب أعد له أبطاله اقتصادا وقوى وفكرا لا يمتلكه البقية المتوهمة من سالكيه، والطريق الآخر هو طريق التحفظ من الانخراط في عدائية ومواجهة، لخبرة تراكمت في العقل السياسي الذي يعي معنى الحروب وارتداداتها.
من آفات العقل البشري آفة السيطرة على الآخرين، والسيطرة خلاف التنظيم والترتيب، ومن هذه الآفة خرجت المساعي التي اخذت سنوات ودماء وأموالا لفرض وجود قرار أجنبي داخل دول المنطقة بتحريك ملفات مستدعاة من خلافات الماضي دينيا وطائفيا وقوميا وفكريا، وتم اختيار ساحات منازلة بالمواجهة او بالإنابة لتصريف الصراع وإدامته.
ثم ظهرت النتائج، مسلسل الحرب بلبنان، حرب الخليج الأولى، قبلها وخلالها وبعدها الحرب ضد كوردستان، حرب الخليج الثانية، والثالثة.
لم يستحضر الطرف الذي دخل المعارك ما أحدثه قراره من خسارات بعضها لا يزول، وكم تسبب بخلخلة قيم روحية ومجتمعية علاقاتية.
كم أسهم في خلق بيئات للتوتر وإنبات قوى عنف تنشطر تباعا.
بل أنه ركز في العقل إن الحرب بطاقة شرعية ادخارية توجد وتعزز رصيده إذا أراد التملص خوفا من قوى تطارده بسبب أفعاله ليدخل إلى خيمة التحول للسياسة فيتغير ظاهريا من عنيف لمسالم، مانعا نقد بداياته ملمّعا لمشاهد عنفه.
لمن يريد أن يعرف بالأرقام لا بميزان آخر نتائج الحرب الأخيرة والضريبة على القرار السيادي، مراجعة شهر وبضعة أيام قبل تاريخ اليوم، وسيفهم أن أغلب صنّاع القرار ليسوا بالمستوى المؤهل لا للفهم ولا للإدارة، وأن الخسارات الكبرى هي نتيجة صناعتهم قبل أن يجسدها الأقوى واقعا.
إن الصراحة والمكاشفة تقتضي من أصحاب العقول المنظمة أن تسمي الأمور بلا مواربة، وأن لا تنسحب خلف الدعاية الفارغة، وأن كثيرا من الصفات الرسمية هي أضعف من الصفات الأخرى، الخلل ليس في الدستور وأن لا قطع بصوابية كل دستور، لكن الذي يتقاضى مقابلا عن عنوانه الرسمي لابد أن يكون أو متواجه مع نفسه عن صلاحيته وحدوده والعوائق التي تمنعه من أداء مهامه، فإن كانت بلا حل متاح سعى لحل ممكن وإن كان ضعيفا تنحّى، وإن كان شريكا مجبرا اعترف، وإن كان شريكا مستفيدا تمت محاسبته، لأن أمثال هؤلاء وأمثال متقصدي الأزمات ينتجون الخراب معجلا ومؤجلا.
يقال أن ابراهيم بن أدهم كتب مرة في النصح: من عرف ما يطلب هان ما يبذل، ومن أطلق أمله ساء عمله ومن سلط لسانه قتل نفسه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن