زاكروس - أربيل
تُعد التراجـيكوميديا أحد أكثر الأشكال المسرحية قدرةً على الجمع بين الألم والضحك في مساحة واحدة، حيث تتجاور المأساة والسخرية لتصنع توازناً يضع المتلقي في قلب مشاعر متناقضة.
من أبرز الأعمال التي كُتبت بهذا الأسلوب مسرحية "عائلة توت" للكاتب المجري "إستفان أوركيني"، أحد أهم الأصوات الأدبية في أوروبا خلال تلك الحقبة.
تدور أحداث المسرحية في عام 1943 أثناء الحرب العالمية الثانية، في إحدى القرى المجرية الهادئة عن عائلة ترسل ابنها إلى الجبهة في الحرب العالمية الثانية، ثم تتلقى رسالة تخبرها بأن قائد الكتيبة سيقضي إجازة قصيرة في ضيافتها حيث تستقبله العائلة بوصفه "سيد الحياة والموت"، قبل أن يتضح أنه يعاني من صدمة عصبية حادة جراء الحرب. ولأن القائد يعدهم بنقل الابن إلى موقع أكثر أمناً، تدخل العائلة في دوامة المجاملات والمجاراة لنزواته الغريبة.
لعل المأساة الكبرى تكمن في أن ساعي بريد القرية، بشخصيته المريبة، يخفي عن الجميع برقية عسكرية تُعلن مقتل الابن منذ الأيام الأولى لوصول القائد، لتظل العائلة عالقة في وهم الأمل بعودته واستقباله استقبال الابطال في محطة القطار.
لدى قراءة مسرحية عائلة التوت يتضح للقارىء انه امام عمل كبير يستحق الاشادة، هذا العمل بقدر ما هو بسيط في الفكرة، معقّد في البناء.
فقد أبدع أوركيني في رسم الشخصيات وتحريك انفعالاتها وبناء حوارات مكثفة تُبرز هشاشة الإنسان أمام الحروب، وتضع القارئ أمام تراجيديا دامية، مؤلمة تخفف من وقعها لمسات كوميدية مريرة.
ولا ينتابك عزيزي القارئ لدى قراءة المسرحية سوى ابتسامة خفيفة، باهتة ترتسم على شفاهك، وهي أشبه بابتسامة إنسان يعاني من ألم داخلي، فهو هنا لا يملك القدرة على البكاء لذا؛ تراه يبتسم ابتسامة خفيفة، هي ليست ابتسامة فرح، ولا سعادة غامرة بل خيبة أمل يغلفها ألم نفسي يعكس معاناة الإنسان وضياعه جراء الحروب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن