زاكروس - أربيل
مرة أخرى نعود إلى عالم يوجين أونيل، أحد أبرز روّاد المسرح الأمريكي الحديث، ولكننا ندخل إليه هذه المرة من بوابة البحر؛ ذلك الفضاء الذي تحوّل عند أونيل من تجربة شخصية إلى مادة سردية عميقة شكّلت واحدة من أهم مراحل إنتاجه المسرحي. والمرجع هنا كتاب صدر في القاهرة عام 1965، يضم سبع مسرحيات بحرية تُعد خلاصة ما كتبه هذا العبقري عن ذلك العالم المائج بالأسرار.
البحّار الذي أصبح مسرحيًا
قبل التوقف عند المسرحيات السبع، تبدو العودة إلى سيرة أونيل ضرورية لفهم جذور هذا الارتباط الحميم بالبحر. فقد وُلد يوجين أونيل في 26 أكتوبر 1888، ورحل في 27 نوفمبر 1953، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1936، ليُثبت مكانته أحد أهم كتّاب القرن العشرين.
التحق أونيل بجامعة برينستون في سن السابعة عشرة، لكنه غادرها بعد عام واحد باحثًا عن مغامرة أكبر من مقاعد الدراسة. عمل في وظائف متفرّقة، قبل أن يقوده شغفه بالمغامرة والترحال إلى البحر. هناك، بدأت المرحلة الحاسمة في حياته الإبداعية.
خدم أونيل بحّارًا في رحلات طويلة على سفن تجارية. قطع المسافة من بوسطن إلى بيونس آيريس في رحلة استمرت خمسة وستين يومًا، ثم انتقل إلى سفينة أخرى كانت تجوب الخط بين بيونس آيريس وديربان، قبل أن يعمل على سفن متجهة من بيونس آيريس إلى نيويورك، ثم من نيويورك إلى ساوثهامبتون.
سنوات البحر لدى أونيل لم تكن مجرّد تجارب سفر، بل شكلت المخزون العميق الذي سيعود لاحقًا ليصنع منه أونيل عالمه المسرحي.
سبع مسرحيات… سبعة أمواج كبرى
في تلك المرحلة، كتب أونيل سبع مسرحيات عن البحر، جميعها تنتمي إلى شكل المسرحية ذات الفصل الواحد التي برع فيها. وعلى خلاف أعماله الأخرى التي لا يأخذ فيها المكان حيزًا بارزًا، نجد أن البحر في هذه النصوص يتحوّل إلى بطلٍ أساسي، يعيد تشكيل الشخصيات ويصوغ مصائرها، وهذه المسرحيات هي :
بدر على جزيرة الكاريبي
شرقًا إلى كارديف
رحلة العودة الطويلة
في المنطقة
زيت الحيتان
حيث وُضعت علامة الصليب
الحبل
المسرحيات الأربع الأولى تشكّل سلسلة مترابطة تعود فيها الشخصيات والأمكنة بشكل متواتر، مع اختلافات طفيفة في الأحداث والمواقف. إنها نصوص تنقل بصدق حياة البحّارة، ضجرهم اليومي، شوقهم الأبدي لليابسة، وتلك اللحظات المتأرجحة بين الفرح الحاد والحزن العميق.
أما المسرحيات الثلاث الأخرى "زيت الحيتان"، و"حيث وُضعت علامة الصليب"، و"الحبل" فهي قصص مختلفة تتوحّد فيها روح البحر رغم تبدّل الشخوص، وتكشف جوانب أخرى من عالم البحّارة والمرافئ وأسئلة الإنسان أمام المجهول.
أونيل… حين قادته الأمواج إلى نوبل
إن قراءة هذه المسرحيات تكشف كيف تحوّل البحّار المغامر إلى مسرحي كبير، وكيف أصبحت أمواج البحر جزءًا من لغته المسرحية ورؤيته الإنسانية. لقد كان البحر بالنسبة لأونيل أكثر من مكان؛ كان تجربة وجودية كاملة صقلت رؤيته للعالم، وقادته في نهاية المطاف نحو جائزة نوبل للآداب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن