زاكروس - أربيل
أكد رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، خلال مشاركته في مراسم الاحتفال بالذكرى العشرين لتأسيس جامعة كوردستان - أربيل، مساء اليوم، أن "الرهان على التعليم العصري وإعداد أفراد ذوي كفاءة عالية هو الطريق الأكثر نجاحاً لبناء مستقبل أكثر إشراقاً لوطننا"، مشدداً على أن "أعظم إنجاز لنا لن يكون أن يحافظ الجيل القادم على ما بنيناه كما هو. بل أن يمتلك العلم والحرية والثقة بالنفس الكافية لبناء أشياء لم نتمكن نحن من بنائها. فنجاحنا الحقيقي لا يكمن في أن يصبح الجيل الجديد نسخة منا، بل أن يكون أفضل منا وأن يدفع المسيرة إلى الأمام".
وقال نيجيرفان بارزاني في كلمة له: "لا يرث أي جيل كوردستان خالية من الهموم والمشكلات. لقد ورث جيلنا كوردستاناً طبعها الظلم والحروب والدمار والتضحيات الاستثنائية. وحاولنا أن نحوّل ذلك الإرث إلى أمن ومؤسسات وتنمية وفرص جديدة. أما جيلكم فإنه يرث إرثاً مختلفاً".
وأضاف: "إنكم ترثون ما بنيناه نحن: إنجازاتنا وخبراتنا وأعمالنا التي لا تخلو من النقص والأخطاء. ومسؤوليتكم ليست أن ترفضوا هذا الإرث كله، ولا أن تدافعوا عنه من دون تمحيص. بل إن مسؤوليتكم هي أن تجعلوا هذا الإرث أفضل، وأن تنقلوا كوردستان إلى مرحلة أخرى. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على هذه الجامعة وعلى جميع جامعات كوردستان الأخرى".
وفيما يلي نص الكلمة:
السادة الضيوف الكرام،
أعضاء الجامعة،
الطلبة والخريجون والأصدقاء الأعزاء،
مساؤكم سعيد،
يسعدني أن نكون جميعاً مجتمعين هنا هذا المساء لإحياء الذكرى العشرين لتأسيس جامعة كوردستان - أربيل.
حتى تحرر العراق عام 2003، كان لدينا في إقليم كوردستان هدفٌ وحيد يتقدم على ما سواه، وهو البقاء. لذلك كنا نُسخّر جميع طاقاتنا وإمكاناتنا آنذاك من أجل البقاء فقط. وبعد تحرر العراق، وُلد أمل جديد لشعبنا، وأُتيحت لنا فرصة لتخصيص جزء أكبر من قدراتنا للبناء والتطوير. ومن هنا، قبل عشرين عاماً، بدأنا شيئاً جديداً.
في عام 2006، كان إقليم كوردستان يتجه نحو مرحلة جديدة. كنا نبني الطرق والمؤسسات وعلاقاتنا مع العالم. لكنني كنت أؤمن حينها، وما زلت أؤمن اليوم بشكل أعمق، بأن أهم استثمار يمكننا القيام به هو الاستثمار في المعرفة وفي أبناء الوطن. ولهذا السبب أسسنا جامعة كوردستان - أربيل.
عندما أنشأنا هذه الجامعة، كان لدينا هدف واضح وثابت: أردنا، إلى جانب جامعات كوردستان الأخرى، تأسيس جامعة جديدة تكون من أفضل جامعات كوردستان والعراق والمنطقة. أردنا جامعة يكون التعليم فيها بلغة العلم الحديثة، وجامعة مرتبطة بالعالم، ملتزمة بأعلى المعايير الأكاديمية، وتحترم التفكير المستقل. وقبل كل شيء، أردنا أن يتعلم شبابنا كيف يفكرون، وأن يمتلكوا تفكيراً سليماً وموضوعياً.
أيها الحضور الكرام..
بعد عشرين عاماً، هناك الكثير مما يدعو إلى الفخر والاعتزاز. فمن حق الجامعة أن تفخر بأنها خرّجت أكثر من 3700 شاب وشابة من أبناء هذا الوطن. وأن تفخر أيضاً بدورهم المؤثر في إعادة الإعمار وفي تطوير كوردستان.
كما أن 75% من الخريجين اندمجوا بكفاءة في سوق العمل، وأصبح 90% من هذه النسبة ركائز أساسية في القطاع الخاص، إلى جانب حضورهم القوي في القطاع العام والدراسات العليا. كذلك فإن أكثر من 150 من خريجي هذه الجامعة لم يكتفوا بالبحث عن فرص عمل، بل أصبحوا رواد أعمال وخلقوا فرص عمل لمئات الشباب الآخرين في كوردستان.
واليوم يشكل خريجو جامعة كوردستان - أربيل، في جميع محافظات كوردستان، قوة رئيسية في التنمية والإدارة، وقد أثبتوا عملياً أن الرهان على التعليم العصري وإعداد أفراد ذوي كفاءة عالية هو الطريق الأكثر نجاحاً لبناء مستقبل أكثر إشراقاً لوطننا.
لكن هذه السنوات العشرين علمتنا أيضاً شيئاً لم نكن نعرفه على نحو كافٍ عام 2006، وهو أن تأسيس مؤسسة يعد إنجازاً، لكن بناء مؤسسة قادرة على التعلم والتغيير والاستمرار هو إنجاز آخر.
وخلال السنوات العشرين الماضية، لم تكن مسيرة الجامعة خالية من التحديات. فإلى جانب الإنجازات البارزة، واجهت عقبات صعبة. كانت هناك قرارات صائبة، وكانت هناك أيضاً قرارات احتاجت إلى مراجعة. وكان على الجامعة أن تتعلم، وأن تتكيف، وأن تصحح أخطاءها، وأن تواصل التقدم إلى الأمام.
لا ينبغي لنا أن نشكو من ماضي الجامعة، بل يجب أن نتعلم منه. فالمؤسسة لا تصبح قوية لأنها تدّعي أنها لم تخطئ، بل تصبح قوية عندما تحدد أخطاءها وتصححها. وربما بعد عشرين عاماً، يمكن للجامعة أن تقدم لنا صورة نرى فيها أيضاً جانباً من مسيرة كوردستان نفسها.
أيها الحضور الكرام..
إذا نظرنا إلى إقليم كوردستان عام 2006 ثم نظرنا إليه اليوم، سنلاحظ فرقاً كبيراً. فقد حققنا أموراً كثيرة كان يُنظر إليها يوماً ما على أنها بعيدة المنال. بنينا البنية التحتية والمؤسسات، وفتحنا أبواب كوردستان على العالم، وعززنا علاقاتنا الدولية، وأعددنا جيلاً جديداً يتمتع بالكفاءة والقدرة.
وكان من الصعب على الأجيال السابقة أن تتخيل كثيراً من هذه الإنجازات. ومع ذلك، لم تكن مسيرتنا خالية من المشكلات. فقد واجهنا الإرهاب والحروب، وخضنا الحرب ضد تنظيم داعش، واستقبلنا أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين، وتحملنا أزمات اقتصادية وخلافات سياسية وعلاقات معقدة مع بغداد، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار التي سادت المنطقة بأكملها.
وجاءت بعض مشكلاتنا نتيجة ظروف مرت بها المنطقة وكانت خارج إرادتنا، بينما كانت بعض المشكلات الأخرى من صنع أيدينا. ويجب أن نمتلك الثقة الكافية للتمييز بين الأمرين. لأن الدرس الذي تعلمناه خلال هذه السنوات العشرين ليس أننا كنا دائماً على صواب، فذلك لم يكن صحيحاً.
بل إن الدرس هو أن التقدم مرتبط بقدرتنا على التعلم. فما هو مفيد يجب أن نحافظ عليه ونعززه، وما هو غير مفيد يجب أن نغيره، وما أصبح قديماً يجب أن نجددّه بشكل أفضل. وعندما لا تعود الخيارات المتاحة كافية، ينبغي أن نمتلك الجرأة وروح الابتكار لابتكار خيارات جديدة.
هذا المبدأ ينبع من صميم الجامعة. فإذا كانت الجامعة تُعلّم طلابها أن يشككوا في المسلّمات، وأن يفحصوا الأدلة، وأن يفكروا بطريقة نقدية، فعليها هي أيضاً أن تبقى منفتحة على النقد. وكوردستان كذلك. نحن نريد شباباً يحترمون تضحيات وإنجازات الأجيال السابقة، لكن الاحترام لا ينبغي أن يعني الصمت.
نريد جيلاً شجاعاً يمتلك الجرأة على طرح الأسئلة وتصحيح الأخطاء. جيلاً إذا أخطأنا يستطيع أن يقول لنا: لقد أخطأتم. فالنقد ليس تهديداً لكوردستان، بل هو أحد أكبر مصادر قوة الدول. والخطأ فرصة للتعلم ومصدر لاكتساب الخبرة.
إن عالم اليوم يختلف كثيراً عن عالم عام 2006. فالذكاء الاصطناعي يغيّر التعليم والعلم والحكومات والاقتصاد. والمعلومات التي كان الوصول إليها يتطلب أياماً طويلة من البحث، يمكن اليوم الحصول عليها خلال ثوانٍ معدودة. وفي مثل هذا العالم لا تكفي المعلومات وحدها، بل نحن بحاجة إلى أشخاص يستطيعون التمييز بين المعلومات والمعرفة.
ويستطيعون التمييز بين التكرار والتحليل. وعندما يكتشفون أنهم كانوا مخطئين، يكون لديهم الاستعداد لتغيير آرائهم. وأن يكونوا مختلفين في الأفكار والآراء من دون أن يحوّلوا الاختلاف إلى عداوة. وأن يتمكنوا كذلك من معالجة المشكلات التي ما زلنا حتى الآن غير قادرين على إيجاد حلول لها.
قبل عشرين عاماً سألنا: أي نوع من الجامعات تحتاج إليه كوردستان؟ أما اليوم فأود أن أعكس السؤال: ماذا يستطيع الذين تعلموا في هذه الجامعة أن يقدموا من أجل بناء أي نوع من كوردستان؟
منذ عشرين عاماً يتجه خريجونا إلى ميادين الحكومة والتجارة والعلم والتعليم والمجتمع المدني. لكن ما ننتظره منهم أكبر من مجرد الانضمام إلى المؤسسات القائمة. إن ما ننتظره من خريجينا هو أن يجعلوا هذه المؤسسات أفضل، وأن يبني بعضهم المؤسسات التي لم توجد بعد.
وآمل أن لا يعتقد الجيل الحالي أبداً أن جيلنا اكتشف جميع الفرص التي يحتاجها إقليم كوردستان. لأننا لم نتمكن من اكتشافها كلها. لقد أوصلنا المسيرة إلى هنا، ومن هذه النقطة فصاعداً نسلّم الراية إليكم.
لا يرث أي جيل كوردستان خالية من الهموم والمشكلات. لقد ورث جيلنا كوردستاناً طبعها الظلم والحروب والدمار والتضحيات الاستثنائية. وحاولنا أن نحوّل ذلك الإرث إلى أمن ومؤسسات وتنمية وفرص جديدة. أما جيلكم فإنه يرث إرثاً مختلفاً.
إنكم ترثون ما بنيناه نحن: إنجازاتنا وخبراتنا وأعمالنا التي لا تخلو من النقص والأخطاء. ومسؤوليتكم ليست أن ترفضوا هذا الإرث كله، ولا أن تدافعوا عنه من دون تمحيص. بل إن مسؤوليتكم هي أن تجعلوا هذا الإرث أفضل، وأن تنقلوا كوردستان إلى مرحلة أخرى. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على هذه الجامعة وعلى جميع جامعات كوردستان الأخرى.
ولا ينبغي للجامعة خلال العشرين سنة المقبلة أن تنشغل بمحاولة البقاء كما تصورناها عام 2006. بل يجب أن تصبح جامعة لا نستطيع حتى في عام 2026 أن نتخيل شكلها المستقبلي. يجب أن تنتج علماً ومعرفة لا يمتلكهما إقليم كوردستان الآن، وأن تساعد في معالجة المشكلات التي لم نعالجها بعد. وأن ترتبط بأفضل ما في العالم من علم ومعرفة، وفي الوقت نفسه تبقى مسؤولة بعمق تجاه كوردستان من أجل تطوير هذا البلد. وأن تمتلك دائماً الثقة لمراجعة نفسها وتغيير ذاتها والتكيف مع الظروف الجديدة.
الطلبة الأعزاء،
الشباب الأعزاء..
قبل عشرين عاماً كان تأسيس هذه الجامعة مسؤوليتنا. لكن ما الذي ستكون عليه هذه الجامعة خلال السنوات العشرين المقبلة؟ إن ذلك سيقع بصورة أكبر فأكبر على عاتقكم أنتم أيها الشباب الأعزاء. فما هو مفيد حافظوا عليه، وما هو غير مفيد تخلوا عنه. تعلموا من إنجازاتنا، ولا تترددوا أيضاً في التعلم من أخطائنا. ولا تجعلوا احترام الفرص التي صنعها جيلنا يتحول إلى قيد يمنع الفرص التي يستطيع جيلكم أن يبتكرها.
إن الغاية من مستقبل الجامعة لم تكن يوماً أن تتحول إلى نصب تذكاري لمؤسسيها، بل أن تصبح مؤسسة قادرة على تجاوزهم في مسيرتها. وربما ينبغي أن يقال الشيء نفسه أيضاً عن كوردستان.
إن أعظم إنجاز لنا لن يكون أن يحافظ الجيل القادم على ما بنيناه كما هو. بل أن يمتلك العلم والحرية والثقة بالنفس الكافية لبناء أشياء لم نتمكن نحن من بنائها. فنجاحنا الحقيقي لا يكمن في أن يصبح الجيل الجديد نسخة منا، بل أن يكون أفضل منا وأن يدفع المسيرة إلى الأمام.
مباركة الذكرى العشرين لجامعة كوردستان - أربيل. وبأمل أن تنقل السنوات العشرون المقبلة الجامعة وكوردستان إلى مرحلة من التقدم لا نستطيع اليوم حتى أن نتخيل الوصول إليها، وبعون الله سنبلغ ذلك اليوم.
أشكركم جميعاً جزيل الشكر، وأتمنى لكم أمسية طيبة.
وأود في ختام كلمتي أن أتوجه بالشكر إلى جميع الذين ساهموا، بشكل أو بآخر، في تأسيس هذه الجامعة وتطويرها. أشكر رئيس الجامعة، وأشكر نائب رئيس الجامعة كريس، الموجود بيننا هنا، كما أشكر السيد إدريس الموجود أيضاً هنا.
وأود كذلك أن أضيف أمراً آخر، فبحسب ما أعلم فإن تصميم الحرم الجامعي قد اكتمل، ومن هنا نقول إنه ينبغي الشروع بتنفيذ هذا المشروع في أسرع وقت، وافتتاح حرم جامعي جديد للجامعة. فالطلبة الذين يدرسون هنا يستحقون ذلك حقاً، ونحن سندعمهم في هذا المسعى.
وأهنئكم جميعاً، ولا سيما الخريجين، وأشكركم كثيراً على صبركم وتحملكم لكلمتي، فقد كانت طويلة جداً. أعتذر عن ذلك، لكنني سعيد لأنكم استمعتم إليها، وأهلاً وسهلاً بكم جميعاً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن