"حراس البوابة" حكاية عراقية بين زمنين

النسخة المصغرة
رواية أقل ما يقال عنها إنها تستعرض الحاضر، حاضر الموصل ما بعد 2003 لتغوص في الماضي

زاكروس عربية - أربيل

"ملحمة كلكامش هنالك نص مفقود في الوسط. نص محاه الزمن، أو ربما محاه أحدهم بيده.

غزوات عديدة تعرضت لها أور وبابل، فقدتا خلال تلك الأيام الكثير من كنوزهما، واندثرت ثقافة تلك المدن وغابت تحت الرمال الصفراء.

نينوى لم تسلم هي الأخرى من حوافر الخيول السوداء

تلك كانت ملحمة".

بهذه المقدمة تبدأ رواية "حراس البوابة" للروائي العراقي، منذر المدفعي، رواية أقل ما يقال عنها إنها تستعرض الحاضر، حاضر الموصل ما بعد 2003 لتغوص في الماضي، ماضي ولاية الموصل تحت الاحتلال العثماني.

تبدأ الرواية بسرد ذاتي على لسان الشخصية الرئيسية "سالم" الشاب العراقي الذي يعيش في مدينة الموصل والحاصل على شهادة الماجستير في علم الآثار.

يعاني سالم من مشكلة كابوس دائم يطارده أثناء النوم ويسبب له اضطرابات نفسية سيئة تنعكس على نفسه في الواقع وبالأخص بعد تصاعد التوتر الطائفي والمشاكل المذهبية التي اجتاحت البلد بعد العام 2003 بين أبناء الحي الذي يقطنه هو ووالده.

وكنتيجة حتمية لهذا التوتر الذي أخذ ينذر بالأسوء يقرر سالم الانتقال مع والده إلى سكن آخر بعد بيع البيت، أي الهجرة داخل الوطن، هجرة اكتوى تحت نيرانها جميع العراقيين بمختلف مشاربهم، بين ليلة وضحاها تقرر جميع العوائل النزوح عن أماكن سكناها التي عاشوا فيها أجيال بعد أجيال ولهم بين جدرانها وأروقتها ذكريات وذكريات.  

فجأة ينتقل بنا الكاتب للوراء في زمان ومكان مختلفين، الزمان شتاء العام 1846 والمكان هو العاصمة البريطانية لندن حيث يعرض بصورة موجزة وجميلة مقتطفات من حياة عالم الآثار البريطاني "هنري أوستن لايارد" مكتشف الثور المجنح ورحلته نحو هذا الاكشتاف المذهل. 

وهنا نلاحظ كيف لجأ الكاتب إلى تقنية "الفلاش باك" أو استرداد الماضي وهذا يحيلنا إلى النظرية الزمنية في القص "لجيرارد جنيت".

بعد الانتقال بنا إلى الماضي نرى كيف يتوجه عالم الآثار هنري أوستن لايارد إلى ولاية الموصل التابعة آنذاك للدولة العثمانية بدعوة من القنصل البريطاني العام في القسطنطينية،  للبحث والتنقيب عن الآثار العراقية بعد وصول برقية عاجلة تؤكد أن القنصل الفرنسي في الموصل المسيو بول اميل بوتا عثر على أربع قطع أثرية ضخمة في مدينة نينوى التاريخية.

ليبدأ بعدها لايارد رحلة التنقيب والبحث بمساعدة "هرمز الرسام" وهو عالم آشوريات، آشوري الأصل من مدينة الموصل عمل مع لايارد في التنقيب عن الآثار، أما الشخصية الرئيسية "سالم"، سيجد نفسه فجأة يعيش في عصر غير عصره وعالم غير عالمه إلى جانب لايارد وهرمز والقنصل الفرنسي وشيوخ العشائر وجنود الوالي العثماني، كما وسيشهد على عمليات الحفر والتنقيب ولحظة اكتشاف الثور المجنح ومحاولات الأهالي تدمير الثور المجنح لأنهم اعتبروه صنم من أصنام المشركين.

ورغم الأحزان والآلام والكوابيس والمخاطر التي كان يعشيها يكابدها سالم في عالمه إلا أنه سيجده أهون بكثير من عالم لا يعرف كيف ومتى وجد نفسه فيه هكذا فجأة، وكل من يسأله عن هويته يقول: "لا أدري من أين ولماذا أتيت إلى هنا"؟

بمرور الوقت سيعتاد سالم عالمه الجديد لدرجة ينخرط بالعمل في عمليات التنقيب مع لايارد وهرمز حتى تحين اللحظة التي تمنى  لو كان معه آلة تصوير يستطيع من خلالها أن يوثق لحظات اكتشاف الثور المجنح وعملية نقله لتهريبه إلى خارج البلاد.

ألقت"حراس البوابة" الضوء على عمليات تنقيب وتهريب الآثار العراقية قديماً من قبل البعثات البريطانية والفرنسية والألمانية والتي كانت تتنافس في ما بينها لحيازة الآثار العراقية أمام أنظار  السلطات العثمانية وجهل الأهالي بما يحصل. 

وما تزال الآثار العراقية المنهوبة تزين متاحف العالم، وتتصدر قائمة المزادات وربما هي نتيجة طبيعية لما مر به البلد من حروب ونزاعات طالت حتى إرثه الحضاري.

الرواية صادرة عن دار النخبة للطباعة والنشر بالقاهرة تقع في  264 صفحة من القطع المتوسط.  

ومنذر المدفعي روائي وصحفي عراقي مقيم في فرنسا صدرت روايته الاولى بعنوان "أيام قبل السقوط"عام 2009 ويكتب في عدد من الصحف والمجلات الأوروبية.   

إعداد: راميار فارس أسعد