زاكروس - أربيل
هناك أعمال روائية تبدو أحداثها عادية على السطح، لكنها تحمل بين سطورها أفكاراً عميقة تتجاوز القصة نفسها. كثير من القراء قد يمرون عليها دون أن يلاحظوا هذه المعاني، إلا أن هذه الأعمال، التي تُصنّف غالبًا ضمن الروايات التأملية أو الفلسفية، قادرة على تغيير نظرتنا للحياة وإعادة التفكير في ما نحن عليه.
في هذا النوع من الروايات، تتجلى القوة في أن الروائي يستخدم الوقائع اليومية لتسليط الضوء على أفكار كبرى، تجعل القارئ يتوقف، يتأمل، ويعيد النظر في العالم من حوله وهذا ما طرحه الكاتب السعودي عبد العزيز القحطاني في روايته "هروب من لجوج"، الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي وتقع في 311 صفحة من القطع المتوسط.
في هذا الحوار الذي أجريناه مع الكاتب الدكتور عبد العزيز مرعي القحطاني نسلط الضوء على بداياته ككاتب وعن الفكرة التي قادته لكتابة الرواية وعملية بناء الشخصيات وأهم التحولات التي مرت كل شخصية:
بدايات الكاتب وعلاقته بالكتابة
عن علاقته الاولى مع الكتابة واللحظة التي شعر بها ان الادب أصبح وسيلته للتعبير في عالم فوضوي يقول " بدأت الكتابة منذ طفولتي عبر مجلة صغيرة موجّهة للأطفال أنشأتها بيدي، ضمّت شخصيات كاريكاتيرية وقصصًا قصيرة وحوارات مرحة. لم تكن مجرد صفحات مكتوبة، بل عالمًا كاملًا كنت أخلقه وحدي، شعرت حينها بسعادة الاكتشاف لأول مرة: أن أكتب وأرسم وأخرج عملي بنفسي، كأنني أؤسس منصة صغيرة لصوتي الطفولي. رغم غياب وسائل النشر في ذلك الوقت".
ويضيف أن"شكلت هذه التجربة البذرة الأولى لشغفي بالحكاية. خلال الدراسة، تأكدت موهبتي من خلال حصص الإنشاء وكتابة الشعر والمقالات الصحفية، رغم أن معظمها لم يُنشر، أما اول محاولة روائية حقيقية كانت في مرحلة الثانوية، لكن فقدان العمل بسبب تعطل الجهاز أحبطني. بعد سنوات، تابعت المحاولة وكتبت روايتي الأولى، رغم خيبات النشر، لأن الكتابة كانت بالنسبة لي هروبًا من صدمات الحياة، وسيلة لصنع عالم مختلف ومناقشة الداخل الإنساني. فترة كورونا مثلت أيضًا مرحلة تأمل ومراقبة للواقع الإنساني والعلاقات، مما نتج عنه كتاب "مقال في زمن كورونا".
الشرارة الفكرية وراء "هروب من لجوج"
وعن الشرارة الفكرية او الحدث الذي قادته لكتابة "هروب من لجوج"، يؤكد أنه " من الصعب وضع لحظة ميلاد دقيقة، لكن يمكنني القول أن الشرارة الحقيقة بدأت مع الرواية نفسها، فكرة الرواية لم تأتِ من فراغ، بل تسلّلت إليّ عبر قراءاتي الفلسفية المستمرة. كنتُ قادرًا نظريًّا على أن أقدّم كتابًا فلسفيًّا معاصرًا صرفًا، قائمًا على البحث والمراجع والتحليل الأكاديمي، لكنني كنت مدركًا أن مثل هذا العمل، رغم جديّته، سيكون مادةً ثقيلة وجامدة، تُرهق القارئ قبل أن تصل إليه الفكرة".
ويمضي بالقول " اخترت طريقًا آخر… أن أنتزع من تلك الكتب سؤالًا جادًّا، وأضعه داخل حكاية. أن أُلبس الفلسفة جسدًا روائيًّا، وأجعل الفكرة تمشي على قدمين بين الشخصيات والأحداث. كنت أؤمن أن السؤال حين يُطرح سرديًّا، قد يدفع القارئ حتى غير المختص إلى التفكير، وربما يدفع المختص نفسه إلى البحث أعمق في إشكالاتٍ معاصرة تمسّ الإنسان اليوم حيث كنت أراقب كيف يُقرأ المجتمع الإنساني، فلسفيًّا وروائيًّا، بقراءاتٍ حديثة، لكن الحدث الحقيقي في نظري ظلّ مختبئًا في منطقة أخرى وهو الخيبات التي قد يمر بها أي انسان ، وهي تُعاش ولا ترى .. من هناك تحديدًا جاءت هروب من لجوج ولذلك وعلى نحوٍ قد يبدو مفارقًا، فمازلت أقول: أنا ممتنّ لتلك الخيبات لأنها كانت الدافع الأصدق الذي دفعني نحو الكتابة".
ويضيف "ربما أعود مستقبلًا بجزءٍ ثانٍ يحمل عنوان ما بعد موت سومر".
بناء الشخصيات والتحولات الإنسانية
القارىء للرواية يلاحظ حضور واضح للصراع الانساني، ترى كيف بنى الكاتب شخصياته وهل ارادها انعكاساً لواقع اجتماعي سعودي أم رموزًا تعبّر عن أسئلة إنسانية أوسع وحول ذلك يقول القحطاني " ربما استمددتُ ملامحها الأولى من واقع علاقة الإنسان بالإنسان؛ تلك العلاقة المركّبة التي تختلط فيها المودّة بالصراع، والصدق بالخذلان. ومع ذلك، حرصتُ أن تظلّ الرواية في إطارها التخيّلي الأقرب إلى الرمز، فتعمدتُ ألّا أضع أسماء مدنٍ حقيقية، ولا أن أربط الأحداث بواقعٍ جغرافيٍّ مباشر، كي لا تُقرأ بوصفها حكاية مكان، بل بوصفها حكاية إنسان".
ويضيف "اخترتُ أسلوبًا تخييليًّا يتكئ على اللغة السردية حينًا، ويقترب من الحسّ الشعري حينًا آخر، لأن الفكرة المطروحة في جوهرها ليست حدثًا بقدر ما هي سؤال. سؤالٌ حاولتُ أن أفتحه داخل النص: هل الإنسان خيرٌ بطبيعته؟ وما نسبة الشر فيه؟ وإذا كانت الرحلة من الطين الذي خُلقنا منه إلى الطين الذي نعود إليه رحلةً قصيرة عابرة، فلماذا لا ننحاز إلى الخير خالصًا؟ لماذا يتأخّر صفاؤه داخلنا، أو يختلط بما ليس منه؟
من هنا جاءت الرواية؛ لا بوصفها إجابة، بل بوصفها مساحة تأمّل… تترك للقارئ أن يواجه السؤال، وربما يفتّش عن جوابه في داخله قبل أن يبحث عنه بين السطور".
وعن الرسالة او الفكرة الجوهرية التي اراد ايصالها للقارىء، خصوصاً فيما يتعلق بالهوية أو الحرية أو التحولات الاجتماعية يوضح أن "الرسالة الجوهرية بسيطة وواضحة ليحب الإنسان أخاه الإنسان، ولينشر الخير حيثما كان . الرحلة قصيرة، فلا داعي للشر أو الحقد. احرص دائمًا على تقديم وفائك، وصدقك، ومساعدتك، وحبك للآخرين… فهذه هي القيم التي تبقى وتترك أثرًا حقيقيًا في حياة الناس".
البحث والمراجع كأساس للعمل الروائي
ويرى الكاتب في معرض رده على سؤال فيما اذا كان البحث والمراجع أو الوقائع الحقيقة ركيزة اساسية لكتابة رواية، أن " البحث ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة تأسيسية لأي عملٍ يُراد له أن يمتلك صدقيته وعمقه. لذلك تظلّ القراءة رفيقًا دائمًا لا ينقطع. ففي رواية الغريب لألبير كامو، يمكن ملاحظة بعض التقاطعات الفكرية مع روايتي هروب من لجوج، وقد يلتقطها ناقدٌ يقارب النصّين من زاوية فلسفية. هذا التقاطع لم يكن استنساخًا بقدر ما هو التقاء أسئلة الإنسان الكبرى حين تُطرح في سياقات مختلفة ، لكن اين الناقد القارئ ؟!!!! ".
ويضيف "أما فيما يخص بالوقائع التاريخية فقد حرصتُ على تضمينها في عملي الأخير، حيث بنيتُها على معرفةٍ سابقة، ثم عدتُ لأتحقّق منها بحثًا وتدقيقًا، إيمانًا منّي بأن المعلومة حين تدخل النص السردي تتحمّل مسؤولية مضاعفة".
مؤكداً أن "منهج البحث يتغير بحسب طبيعة المشروع، فمثلا في رواية من الكثرة التي تتناول منطقة عسير بوصفها حكاية شعبية تخيّلية لا عملًا توثيقيًا كان لزامًا عليّ أن أقترب من الذاكرة الشفاهية فاضطررتُ إلى لقاء كبار السن، والإصغاء إلى رواياتهم، والقراءة المتأنّية لبعض الكتب عن مرحلةٍ زمنية لم أعشها. هنا يصبح البحث ضروري ، خاصة انني عندما اشرع في كتابة روائية لا ابحث في التاريخ وحده بل أيضا في شعر واغاني وقصص كاملة عن تلك المرحلة".
طريقة الكتابة وتطور الحبكة
بعض الروائيين يلجأون دائماُ الى وضع تصوراُ واضحاُ لمسار الاحداث قبل الشروع في العمل الروائي أما البعض الاخر يترك السرد يتشكل تدريجياً أثناء الكتابة اما لدى القحطاني فألامر مختلف ربما فهو يقول "دائما ما ابدأ بخيط عام للحكاية، ورسم ملامح أولية للشخصيات".
ويضيف أن " الكتابة غالبًا تتجاوز هذا التخطيط: تتفلت الأفكار، وتفرض الشخصيات إرادتها الخاصة. أحيانًا تتحول الشخصيات الثانوية إلى أبطال، وتتغير المسارات لتصبح أكثر عمقًا وإثارة".
مؤكداً أن "هذه اللحظة من الدهشة تعطي الرواية حيويتها، وتخلق حوارًا حيًا بين الكاتب وعوالمه الداخلية".
في كل عمل روائي نشهد تحولاً نفسياً وعاطفياً للشخصيات، ترى كيف تعامل الكاتب مع هذا التحول وعن ذلك يؤكد " أتعامل مع التحولات الداخلية بحذر شديد، لأضمن أن تكون متماسكة وطبيعية ضمن سياق القصة. أراقب مخاوف الشخصيات ورغباتها وصراعاتها، وأسمح لها بأن تتفاعل مع الأحداث بما يتناسب مع جوهرها".
وأضاف " هذه العملية تعكس رؤيتي لطبيعة الإنسان المعقد، الذي يجمع بين الخير والشر والطموح والخوف، وتتطور شخصيات الرواية بطريقة مشابهة للتحولات الإنسانية الواقعية".
وعن ثنائية الخير والشروفيما اذا كان الانسان قادراً على التعايش مع هذه الثنائية يرى الكاتب السعودي عبد العزيز القحطاني ان "الانسان قادر على التعايش مع الخير والشر معاً. هذا الصراع الداخلي يمنح الشخصيات عمقاً وصدقاً، ويجعل الرواية أكثر واقعية".
ويوضح أن"هذا التعايش أظهر ومن خلال التناقضات اليومية: لحظات العطاء تتقابل مع لحظات الأنانية، والشجاعة تتداخل مع الخوف".
ويضيف أن" الرواية هي مساحة لاستكشاف الصراع الإنساني والفلسفي بكل أبعاده.
العزلة والإبداع وتجربة الآخرين
وحول العزلة وفيما اذا كانت ضرورة للكاتب، يؤكد القحطاني ان "الكاتب والمبدع يحتاج للتفاعل مع المجتمع والناس، فهو يجد في التجربة اليومية واللقاءات المختلفة مادة خصبة للخيال. قراءة تجارب الآخرين، كما فعل نجيب محفوظ وحنا مينه وعبده خال، تغذي الحكاية وتجعلها نابضة بالحياة".
مشيراً أن "الإبداع لا يُستمد من الكتب وحدها، بل من نبض الناس ومشاهد الحياة اليومية".
تطور الرواية السعودية وانتشارها عالمياً
وحول تطور الرواية السعودية في السنوات الاخيرة يرى ان "الرواية السعودي شهدت تطورا كبيرا من حيث الكم والنوعية حيث تنوعت الموضوعات بين الاجتماعية والفانتازية والدينية والشعبية وظهرت دور نشر وكترجمون سعوديون ناشطون، وانتشرت عالميا".
واضاف ان "هذا الانتشار والاتساع للرواية السعودية ضمن لها صدارة المشهد العربي".
وفيما يخص أبرز التحديات التي تواجه الروائيون من الشباب يرى الكاتب أن التحدي الاكبر هو "الوصول الى القارىء الصادق".
ويضيف أن "الكاتب قد يكتب بحرية، لكن الناشر الصحفي والنقاد الحقيقي هم من يمنحون النص فرصة للوصول".
موضحاً أنه "وعلى الرغم من ذلك يبقى التواصل مع القارىء المباشر هو الاهم، ولو جاء من مكان بعيد وأثر فيه العمل، فهذا يكفي ويمنح الكتابة قيمتها الحقيقة".
صدر للكاتب عبد العزیز القحطاني :
رواية الكترة
وكتاب مقال في زمن كورونا.
إعداد وتحرير: رامي فارس الهركي
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن