زاكروس - أربيل
أمام مركز إداري حكومي في دمشق، يشكو المهندس الزراعي المتقاعد هاني مسالخي من فاتورة الكهرباء الباهظة التي تعادل قيمتها راتبه بأكمله، متسائلا كيف يمكن له أن يؤمن احتياجاته الأخرى.
وبدأت السلطات السورية تطبيق تعرفة جديدة للكهرباء أقرّتها قبل ثلاثة أشهر وزادت بنسبة كبيرة جدا عن التعرفة السابقة.
ويقول مسالخي (70 عاما) بأسى "كانت فاتورتي تتراوح بين 15 ألف إلى 20 ألف" ليرة سورية، أي أقلّ من دولارين، بينما باتت "تتجاوز الآن 800 ألف"، أي قرابة 72 دولارا.
ويسأل الرجل الذي يتقاضى راتبا تقاعديا قدره سبعون دولارا "ماذا يفعل المواطن؟ هذا كلّه وهو لم يأكل أو يشرب بعد ولم يشتر خبزا وغازا ووقودا" لتأمين قوته اليومي والتدفئة خلال فصل الشتاء القارس.
وأعلنت وزارة الطاقة أواخر تشرين الأول تعرفة جديدة للتغذية الكهربائية. ورفعت سعر الكيلواط المخصص للاستهلاك المنزلي من 10 ليرات سورية الى ما بين 600 و1400 ليرة.
ووضعت السلطات الزيادة "في إطار مشروع إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة وتحسين الخدمة" بعد تقنين قاس طبع سنوات النزاع الطويلة الذي شهدته البلاد منذ العام 2011 وتضرّر خلالها هذا القطاع الحيوي.
ويروي مسالخي أنه عاد أدراجه من دون أن يسدد فاتورته. ويشرح "خرج الناس متعبين من الأزمة.. ولا يقوون على تأمين لقمتهم، الناس تحت خط الفقر".
ويعيش معظم السكان في سوريا تحت خط الفقر منذ سنوات، ويبلغ الحدّ الأدنى للأجور 75 دولارا، ولا يستطيع كثر من ذوي الدخل المحدود، وهم أكثرية، والمتقاعدين على غرار مسالخي، تحمّل التكاليف الجديدة.
ومنذ وصولها إلى الحكم إثر أكثر من 13 عاما من نزاع مدمّر انتهى بسقوط حكم بشار الأسد في كانون الأول 2024، تعهدت السلطات الجديدة مرارا بزيادة ساعات التغذية بالكهرباء، ووقعت عقودا ومذكرات تفاهم لاستجرار الغاز من تركيا وقطر لزيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات من دول الخليج خصوصا لترميم البنى التحتية المتهالكة.
وانعكس ذلك تحسنا في ساعات التغذية التي باتت تقارب الست ساعات يوميا في دمشق، بعدما كانت لا تتجاوز الساعتين قبل إطاحة الأسد. لكنها لا تزال أدنى من ذلك بكثير في ضواحي العاصمة والمناطق النائية.
ورغم مساعي السلطات لدفع عجلة الاقتصاد الذي أنهكته الحرب، لم يلمس السوريون بعد تحسنا جذريا في حياتهم اليومية، مع استمرار تردي أوضاعهم المعيشية وسوء الخدمات والمرافق العامة.
ولا تزال حاجات البلاد في مجال إعادة الإعمار، بما في ذلك محطات الطاقة، هائلة. وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بـ 216 مليار دولار، من بينها 108 مليارات أضرار مادية مباشرة للبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد أحمد أن "المشكلة الأساسية ليست برفع التعرفة، بل بتآكل القيمة الشرائية للدخل، لا سيما أن بعض الموظفين يتلقون راتبا دون 100 دولار في الشهر".
ويوضح أن رفع التعرفة على المدى الطويل "يهدف خصوصا إلى الحؤول دون انهيار قطاع الكهرباء".
أمام مبنى وزارة الطاقة في دمشق الخميس، تجمّع بضعة أشخاص احتجاجا على قيمة الفواتير الجديدة، بينهم محمّد ضاهر الموظف المتقاعد من وزارة الأوقاف.
ويقول الرجل غاضبا "كانت فاتورتي تراوح بين 10 و15 ألف ليرة، وكنت اقتصد وأرشّد الاستهلاك في منزلي. واليوم أتفاجأ بأن فاتورتي تجاوزت 350 ألف ليرة... من أين آتي بهذا المبلغ؟".
وحمل ضاهر ومن حوله محتجون آخرون لافتة كتب عليها "الكهرباء حق لكل مواطن...لن ندفع، لن ندفع".
ويضيف الرجل الذي يعادل دخله نحو ستين دولارا أميركيا "تأتينا الكهرباء لساعتين في حي التضامن" عند أطراف دمشق، ثم "تأتينا الفاتورة 300 ألف ليرة؟".
وتقول الناشطة النسوية والموظفة المتقاعدة سوسن زكزك (65 عاما) "يجب أن تكون خدمة الكهرباء حقا وأن تكون مضمونة وتتناسب أسعارها مع رواتب المواطنين والمواطنات".
وتضيف "في البيت، لا نستهلك الكهرباء كثيرا، لا نستخدم التكييف... وهذا العام لم نشغّل سخان المياه، وحتى التلفاز نشاهده لوقت قصير... خوفا من الفاتورة"، مضيفة "زوجي وأنا متقاعدان ولا نملك مدخولا ثانيا".
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن