لعبت ملصقات الشوارع الدعائية دورًا أساسيًا في الحربين العالميتين، في زمنٍ كان فيه العالم يعتمد على الإعلام المقروء والمسموع، فكانت وسيلة مباشرة لإفهام الجماهير ما تراه الحكومات أخطارًا محدقة بها.
لم تقتصر وظيفة هذه الملصقات على التحذير، بل كانت أداة سريعة وفعّالة لتوجيه الرأي العام، واستُخدمت على نطاق واسع في حملات التعبئة العامة، سواء للتجنيد أو للتطوّع. وقد ساهمت في دفع آلاف الشباب إلى ساحات القتال، وزرعت في نفوسهم اعتقادًا راسخًا بأنهم ذاهبون إلى حرب قصيرة، غير مدركين ما ينتظرهم خلف الجبهات من موتٍ واستنزاف.
وسُخّرت الملصقات لكل ما يتصل بالحرب، حتى في تفاصيل الحياة اليومية والمناسبات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ملصق سوفييتي ظهر أواخر عام 1942، يُصوّر ديد موروز (بابا نوئيل الروسي) وهو يقود الجيش الأحمر ضد هتلر، وقد كُتب عليه:
"سنة جديدة سعيدة! ومع ضربات جديدة للعدو".
لم يكن اختيار التوقيت أو العبارة اعتباطيًا، بل جاء بعد معركة موسكو أواخر 1941، وبداية استنزاف القوات الألمانية في ستالينغراد أواخر 1942.
كما استُخدمت الملصقات لبثّ روح الكراهية تجاه العدو، وأحيانًا تجاه شعوب أو أقوام بأكملها، مثل الملصقات الألمانية التي استهدفت اليهود والغجر، أو ملصقات الحلفاء التي عمّمت صورة النازية على جميع الألمان، في تبسيطٍ دعائي قاسٍ للواقع.
ويُعدّ الفنان الفرنسي هنري دو تولوز لوتريك من أبرز روّاد فن الملصقات الحديثة، إذ أسهم في ترسيخ هذا الفن بوصفه وسيلة بصرية مؤثرة تجمع بين الجمال والرسالة.
وبأبسط تعريف، يمكن القول إن فن الملصقات هو شكل من أشكال الفن الحضري (فن الشارع)، يقوم على نشر صورة أو رسالة مختصرة في الأماكن العامة، بهدف إيصال أفكار الأفراد أو المؤسسات بوضوح وسرعة إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
ويُصنَّف هذا الفن ضمن أشكال التعبير التي تلت الكتابة على الجدران، إذ يتيح للأفراد ترك علاماتهم البصرية أو رسائلهم فورًا وفي أي مكان، دون وسائط معقّدة.
بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة دول المحور، دخل فن الملصقات — أو فن البوستر — عصرًا جديدًا، تنوّعت فيه القضايا وتعدّدت الأفكار، ولم يقتصر حضوره على أوروبا فحسب، بل امتد إلى مختلف أنحاء العالم. ففي الدول الآسيوية، على سبيل المثال، احتلّ الملصق مكانة بارزة، كما في فيتنام خلال حرب فيتنام، حيث اشتهرت ملصقات تُظهر جنودًا في وضعيات قتالية، مصحوبة برسائل وطنية تحثّ على القتال ضد القوات الأميركية و«الأعداء». وكانت هذه البوسترات جزءًا أساسيًا من الدعاية الوطنية في شمال فيتنام طوال سنوات الحرب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن