مراجعة الذات الكوردية بين تحطيم الإرادة والنهوض بها

فالإرادة الصلبة تجعل المُستحيل ممكناً وأن الاستسلام للعجز و الإخفاق، تحدّ من بلوغ الطموح
النسخة المصغرة

رفعت حاجي هولير

إذا صارحنا أنفسنا عبر تقييم واقعي ومنطقي للذات الكوردية، مستندين الى تحليل الاحداث التي مرت بها كوردستان سوريا  خلال نصف العقد الاخير منذ تفاقم الأزمة المسمات بالثورة، سنخرج باستنتاجات قاسية لا تسرنا ولا تقوينا نحن الكورد، ولكنها تساعدنا في دراسة شخصيتنا المجتمعية لنستند اليها في تأمين حاضرنا ورسم مستقبلنا، فالإرادة الصلبة تجعل المُستحيل ممكناً وأن الاستسلام للعجز و الإخفاق، تحدّ من بلوغ الطموح .

ولعل اهم السمات التي تميزت بها الاحداث التي لها ارتباطات سياسية مصيرية خلال السنوات الماضية وخاصة الاخيرة من الفواجع، استنادا الى رؤية واقعية لتحديد الاخطاء التاريخية الاستراتيجية لشعبنا الكوردي في صِیَغِةِ الحزبیة الضیقة الملیئة بالشعارات الخاویة ، والذي لم  تتوانى آلة الموت في حصد الأرواح مستغلّةً هذه الاخطاء دون مبررات واقعية ودون اسباب وجيهة ودون أن يتمكن الكورد مسايرتها بتأني.

 مانشاهده الیوم علی الساحة الكوردستانیة هو إتفاق أعداء الكورد في مساعیهم للقضاء علی الحلم الكوردي والإستمرار في سلب و نهب خیرات موطنهم، بالمقابل نری أنانیة بعض الزعماء والقادة، الذین لایسعون الی التقارب والوحدة لتجاوز أزمة المرحلة و تعزیز جبهة التصدي والصمود في وجه التحدیات، ليعزوها كل من ضاق ذرعاً وبضجر الى (السياسات الفاشلة والنفسيات الانانية والطبائع المريضة والمصالح الشخصية والعائلية الفاسدة والمارقة)، التي يوصفون  بها قادتهم بعفوية مجرّدة من أي اساس أو قاعدة من المنطق والتفكير السليم.

وإذا كان التطلع الی المستقبل يعني القیاس علی إحتمالاته الموجبة إذاً ماهي الأخطاء أولاً ... ربما يلفت ناظريك برأي يتميز بالرزانة في معرض ردود الأفعال ومنها مقولة للأكاديمي الكوردي محمد قاسم متسائلاً" بعد أحداث دراماتيكية في عفرين...هل راجع مُعلَقون ومحللون (يفترض أنهم مثقفون)، أنفسهم : أين أخطأوا وأين أصابو؟؟  ".

هذه العبارة أتت عقب سنين عجاف مثقلة بسيرة نضال يئس الكثيرون من تسلسلها ربما نتيجة اللامبالات التي أصابت المجتمع بأكمله، لعجزه من تحديد المعطيات، أحكمت عليه البحث عن التبريرات لإقناع ذاته المنهك وإبعاد الفشل عن ماآل اليه وإرضاء محيطه فيما يصبو اليه في تراجيديا أكثر مأساوية، مسببة نزوحا وهجرا جماعيا باعداد كبيرة من العوائل والافراد الى الخارج والى دول الجوار.

ما نحتاجه هو إبتكار طریقة جدیدة ولغة جدیدة في سوس الذات والأفكار وفي إدارة الوقائع و الأحداث وتشخیص المصلحة القومیة، بعیداً عن مصالح فئة علی حساب فئة أخری أو تحویل علاقتنا بتراثنا الحي والغني بالنضال الى تعصب فكري یفقد مصداقیته، بعد أن حول البعض لمکاسب شخصیة مشروعنا القومي و سعی الی وضع هویتنا في المأزق، الى ذلك يعزو المراقب السياسي عثمان أوجلان بالقول:" أن خيار الحرب في الوقت الحاضر يعدّ خياراً خاطئاً بالنسبة للكورد، ومن المفترض تجنب المصادمات، لأن المواجهة ليست لصالح الكورد في الوقت الحالي، الأمور لم تعد علی ما کانت علیه، فعصرنا هذا یحتاج الی تغییر العدة القدیمة بمرجعیتها الفکریة وأطرها وآلیاتها، لإعادة البناء ".

ففي وقت يتطلب  أسالیب عصریة في التخطیط للمستقبل تبعدنا من أسر ماهیات ثابتة أو هویات مفروضة علینا من قبل المحتلین لتقويض مساعینا في الحریة والإستقلال، يتميز قيادات احزاب بالطابع الانفرادي ، مفتقرة الى الرؤية الفكرية والسياسية والاستراتيجية المستقبلية، في العمل السياسي والعسكري والميداني وعلى الصعيدين الشعبي والحزبي، والإستمرار دون اي اعتبار للأمة الكوردیة ، التي يصعب قیادتها من قبل حزب سیاسي أو زعیـم واحد قادر علی أن یفرض هیمنة سیاسته الوحدویة علی جغرافیة واسعة، في خطوة من شأنها تعرض الوجود الكوردي الى انتكاسات مصيرية كاسحة، تفقد قدرتها على النهوض، بسبب اجراءات  بعيدة عن الحكمة والرؤية السياسية المستقبلية، تعرض شعبنا الكوردي الى واقع اليم جدا حيث فقد من خلاله الكثير من المكتسبات السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية.

والمؤلم جدا ان الشعب الكوردي لا يملك ذاكرة حية لاعادة حساب او مساءلة، وكأنها مجرد تسميات ماضية لا حضور لها بفعالية وخاصة ساستهم ونخبهم الاجتماعية والثقافية والاكاديمية، وللاستدلال على ذلك بقوة نجد ان الاحداث المأساوية لم تعير لها اي اهتمام من جهة معنية او غير معنية باجراء دراسة ميدانية عملية او نظرية وتحديد الاسباب والمسببات للخروج منها بخلاصات واستنتاجات تفيد الكورد بصورة عامة، تقدم بإتجاه الخروج من عنق القارورة، وسط السكوت المخزي والمؤلم للانسانية، التي  سهلت للمتغطرسين التمادي في فرض اجواء سلطوية قرقوشية ظالمة.

إن القرائة المتأنية لتحديد الاخطاء الاستراتيجية في واقع الكورد السياسي والاجتماعي، من خلال تحليل النكبات والانتكاسات الحاصلة للكورد ، تستدعي لرسم  إستراتیجیة تقوم علی جمع الطاقات المادیة والمعنویة في إطار فكري و سیاسي وإقتصادي وعسکري وإجتماعي واحد، تقزم دور المشتّت و المفتّت وتعاقب أيّ طرف یسعی الی فرض مصالحه الشخصیة فوق مصلحة الوطن أو ینحني للإملاءات الإقلیمیة الهادفة للنیل من إرادته في النضال .

 

 ولهذا لابد من مراجعة للذات الكوردية واعادة نظر شاملة بكل احوالنا للخروج من تلك الاخطاء القاتلة والمشاركة في اعداد مرحلة جديدة متسمة بالفكر السليم لرسم ملامح مستقبل افضل بعقلیة التقدم نحو الأمام دون الخوف من المتغیّرات.

رفعت حاجي - هولير