فجر إعدام صدام

الفرحة لم تدم بسبب نقل البلاد الى مرحلة الإرتباط الخفي والخطير بإتفاقيات وبروتوكولات تجعله تابعاً الى الخارج
النسخة المصغرة

تنفيذ حكم الإعدام بحق صدام حسين، بعد ادانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في فجر يوم 30 كانون الأول 2006، أنهى مرحلة صعبة من تاريخ العراق، وغمر الكثيرين في الفرح والسعادة، وحسموا مواقفهم بالتأييد والتظاهر والإحتفال، وبدا لهم وكأنه نفذ من أجلهم. وتوجهوا بسرعة نحو الديمقراطية، بسبب لهفتهم لها، وبما رسموه من أحلام وردية، وبسبب ميولهم ورغباتهم الطبيعية المشروعة للمسك بمقدرات حياتهم والتحكم بخياراتهم ومحاولتهم توصيفها كطريقة للتعامل مع شؤونهم، وإدارة حياتهم العامة بكل تفاصيلها، ومافيها من حقوق وواجبات.

الفرحة لم تدم بسبب نقل البلاد الى مرحلة الإرتباط الخفي والخطير بإتفاقيات وبروتوكولات تجعله تابعاً الى الخارج، وبسبب التصدعات الجيواجتماعية التي انعكست ارتداداتها السلبية على عمل الشخصيات والأحزاب والحكومة العراقية، والتي أدت تحولاتها الى تكاثر المراكز لصناعة القرار في بغداد، وإضعاف الحكومة وغياب السلطات والكثير من القوانين، والى الإرتباك والخلل العميقين في التعامل مع المواطنين الرافضين للتغيير والديمقراطية، خاصة من خلال التمسك بالقراءة الأمنية لمعالجة المشكلات الموجودة والمصطنعة والتي أدت الى معضلات اجتماعية وثقافية وسياسية وأمنية، خسر فيها العراقيون الكثير من دمائهم وأموالهم وإمتيازاتهم، كما أضاعوا فرصاً كثيرة لا تعوض، وخسروا التعاطف العربي والدولي، بعدما أساءوا التصرف فيما بينهم وبحق ديمقراطيتهم الوليدة وتعاملهم السلبي فيما بينهم ومع حكومتهم ومع من أسقط حكومة البعث، أعني الأمريكان، وبعدما دخلوا في مواجهات بينية ومنحوا ثقتهم بدول وحكومات إقليمية اعتقدوا أنها حليفات لهم، ونقلوا البلاد والعباد الى مرحلة اللا ضمير واللا ولاء للوطن.

الذين حذروا المواطنين عموماً، والطبقة السياسية والحكومة خصوصاً، من عواقب الإتكال على النعرات اللعينة، وسياسة اللعب بالنار، والتماطل في تطبيق الدستور والتماهي في إتخاذ الإجراءات التعسفية. والذين دعوا الى التخلي عن الحذر المبالغ فيه عند العرب تجاه الكورد، وبالعكس، وعند الشيعة تجاه السنة، وبالعكس، وكذلك الذين رفضوا تقسيم العراقيين الى منتصرين ومنهزمين، أو أقوياء وضعفاء، أو أكثرية وأقلية، كانوا على ثقة ودراية تامة بأن المصالح العامة تكمن في الإتكال على الدستور لردم الهوة بين العراقيين، والتعقل في خلق التوازن في العلاقات بين العراق ودول الجوار وأمريكا. 

الخطوة السياسية الأكثر خسارة في تاريخ العراق، والأكثر سوءاً للتقدير، كانت العودة إلى ممارسة السياسات التقليدية تجاه المعارضين والتنكيل بهم، دون وجود طرف محايد. خطوة أدت إلى خلط الأوراق وإعادة التموضع وفقاً لحسابات ومناهج مستفزة، ونتجت عنها تحولات كبيرة في المواقف وتغييرات في خريطة التوازنات العراقية الجديدة، وكشفت عن تناقضات لا يمكن التكهن بتداعياتها، خصوصاً بعد ظهور بوادر الحرب الأهلية، وصدمة داعش الكبرى وإنفجار الأوضاع وتحول ربع العراقيين الى مهجرين ونازحين ومشردين.  

في البداية تم مخادعة العراقيين، عندما قالوا: أن القضية برمتها، مسألة أيام أو أشهر في الأكثر وستعود الحياة الى حالتها. ولكن مرت سنوات عجاف تم فيها إستشراء الفساد الفاحش، وتجاهل مفاهيم الكرامة والمواطنة والحرية والشراكة والعدالة والمساواة والتضامن والاعتدال وتعزيز البيئة الإنسانية والأخلاقية من خلال الحوار والتفاهم العقلاني بين مختلف المكوّنات القومية والدينية والمذهبية واحترام الخصوصيات.

اليوم، يمكن أن القول أن التاريخ يعيد نفسه، والعراق يقف في ذات مفترق الطرق، وإحتمالات حدوث الكوارث مازالت قائمة. وخلاصة القول ( دون تشاؤم) هي : لو لم يتم إحتواء المرحلة  الحالية وتجاوز التحديات بمعالجة الإشكالات السياسية وتعقيداتها وتقاطعاتها القائمة والخلافات الطاغية والتوترات والتحديات والمخاطر والهموم الكثيرة، واحترام إرادة الشعب العراقي في الإصلاح، بسحب الأسلحة من أيدي الجماعات المسلحة، وبمنع ورفض التدخلات الخارجية المؤثرة، سيدخل العراقيون في دوامة العنف، وسيصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، وأسيراً لإملاءات خارجية، وسيصبح الحديث عن الدولة والديمقراطية وحقوق الإنسان رديفا للموت، وسيتم تشريد الملايين من الأبرياء، وسيتحسر العراقيون على صدام حسين وحكمه، ويكفرون بكل ما جرى بعد 30 كانون الأول 2006.