البرديات صورة حية عن الأدب المصري القديم

النسخة المصغرة
الكلمات الدالة
المطلع على هكذا برديات يدرك جيداً أن ما كان يعاني منه إنسان الأمس

زاكروس عربية - أربيل

حرص الإنسان المصري القديم على كتابة كل شيء ابتدأ من سجلات الملوك وأخبارهم وقراراتهم المصيرة وصولاً إلى كتابة الخواطر والحكم والقصص العاطفية.

وليست جميع البردات المكتشفة تتحدث عن أنظمة الحكم وقرارات الملوك المصيرية وصراعاتهم من أجل السيطرة والهيمنة ولا صراعاتهم مع الكهنة ولاطرق تحنيط الموتى والاعياد والمناسبات الدينية، إنما نجد برديات كتبها صاحبها للتعبير عن ما يعتمل داخل نفسه من مشاعر حب وبغضاء وفرح وحزن، وتأملاته في الحياة والموت والكون والطبيعة وأحوال الناس ومثل هذا النوع من البرديات ينقل لنا صورة واضحة عن أحوال المجتمع المصري وطبيعة الفرد في هذه الفترة التاريخية وتلك.

والمطلع على هكذا برديات يدرك جيداً أن ما كان يعاني منه إنسان الأمس، وإن كان قبل الآلاف السنين لا يختلف جذرياً عن ما يعانية إنسان اليوم الذي يعيش حياة أقل ما يقال عنها حياة اسلمت قيادها للتكنولوجيا وبات الإنسان ضحية من ضحاياها. فما كان يعاني منه فرد الأمس يعاني منع فرد اليوم وكما يقولون التاريخ يعيد نفسه. والإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان.

البرداية المصرية - زاكروس

ففي إحدى البرديات نكاد نسمع أصداء صوت أحدهم وهو يكتب تلك الكلمات (حبي لك ينفذ إلى كل جسدي، كما يذوب الملح في الماء، كما يمتزج الماء بالنبيذ) نجد ذلك العاشق من مصر القديمة قد استعان بأعذب ما جادت به لغة عصره في حضارة كانت وما تزال تمثل أعظم ثمرة من ثمار الإنسانية، كلمات لا تفصلنا عنها سوى ثلاثة آلاف عام فقط.

وهنا  نقرأ حكمة نقلتها الينا البرديات جاء فيها (الظلم موجود بوفرة، ولكن الشر لا يمكن أبدًا أن ينجح على المدى الطويل) وهي منسوبة للحكيم المصري بتاح حتب وزير الفرعون جد كا رع الشهير بـ إيزيسي أحد ملوك الأسرة الخامسة حوالي2414-2375 ق.م. ومتاحف العالم ومنها المتحف المصري غنية بالبرديات التي نقرأ من خلالها أمثلة حية عن الأدب المصري القديم الذي وجد من خلاله الإنسان المصري متنفس للتعبير عن ما يعتمل في داخله من مختلف ضروب المشاعر والأحاسيس.

البرداية المصرية - زاكروس

وهناك بردية محفوظة في متحف برلين تعود إلى عهد الدولى الوسطى حوالي 1900 ق.م طولها 350 سم وعرضها 16سم ومكتوب عليها 155 عمود كتابة رأسية بالخط الهيراطيقي كتبها فيلسوف مصري غير معروف سجل فيها تأملاته في الحياة والموت، ويعدها بعض الباحثين كأقدم نص تأملي في التاريخ، البردية عبارة عن حوار  يائس عن الحياة والناس يتسأل كاتبها عن جدوى الكلام...   

(( لمن أتكلم اليوم

 الإخوة أشرار والأصدقاء بغيضون

 لمن أتكلم اليوم

 القلوب يملأها الجشع

 والكل يسرقون متاع رفاقهم

 لمن أتكلم اليوم

 الطيبة اختفت والوقاحة تسود

 لمن أتكلم اليوم

 الناس راضون بالشر

 والخير ملقى طريحا على الأرض

 لمن أتكلم اليوم

 لا أحد يتذكر الماضي

 لا أحد يساعد من ساعده

 الوجوه شاحبة

 لمن أتكلم اليوم

 لا أحد يبتهج

 الضلال يعم الأرض دون نهاية

 إن الموت أمامى الیوم كشفاء المریض

 مثل الحرية بعد السجن

 إن الموت لي الیوم كرائحة البخور

 مثل الجلوس تحت الشراع في النسيم العليل

 إن الموت لي اليوم مثل صفو السماء

 مثل المعرفة بعد الجهل)).

 

 

                        إعداد: رامي فارس أسعد