جسر دلال (برا ده لال): صلة الوصل بين ماضي وحاضر مدينة زاخو

النسخة المصغرة
الكلمات الدالة
 بقلم: الدكتور قبات شيخ نواف

تعتبر الجسور والقناطر القديمة من الآثار التاريخية الحية و الهامة في حياة الأماكن التي بنيت فيها, وكانت لها ومازالت بالغ الأثر في تكوين ثقافتها وتاريخها ومعالمها السياحية, و بالتالي هي ليست مجرد طرق للعبوروالتنقل بين ضفتي النهر.

 لقد لعبت الجسور بحجارتها العائمة فوق الماء دورا هاما في تذليل العقبات أمام التواصل البشري بين الأصدقاء والأعداء على مرالعصور.

ومدينة زاخو ومعلمها التاريخي الأثري الهام (برا دَلال) ليست استثناءاً من هذه القاعدة التاريخية المستمرة

. تقع مدينة زاخو شمال مدينة دهوك في كردستان العراق, وتبعد عنها مسافة 53 كيلومتر, وبحدود 10 كيلومتر من الحدود التركية و 25 كيلومتر من سوريا وكذلك تبعد عن مدينة الموصل مسافة 115 كيلومتر، تحيط بشمال مدينة زاخو سلسلة جبال الجودي التي شهدت الطوفان العظيم أيام النبي نوح عليه السلام، و بالتالي لها أهمية دينية وذكرت حرفيا في النص القرآني و في الأناجيل. يمر نهر الخابور(أحدى روافد نهر دجلة), القادم من تركيا وسط المدينة ليقسمها الى ضفتين, يجمعهما جسر برا ده لال بدوره لاحقا.

معظم سكان مدينة زاخو من الكورد إضافة إلى أقليات أخرى عربية وسريانية و كذلك هي مدينة للتعددية الدينية حيث يعيش المسلمين والمسيحين بسلام، يبلغ طول الجسر 114 مترا بأرتفاع 15.5 مترعن سطح النهر و بعرض 4.70 وتم تشييده من مادة الجير والحجارة المنحوتة الصلبة ذات الأحجام المتنوعة المائلة إلى اللون الأصفر.

 التاريخ و الأسطورة هنالك عدة رويات تاريخية متضاربة عن التاريخ الحقيقي لبناء الجسر, ألا أنه من المرجح آثاريا أن بنائه تم أول مره في العهد الروماني حيث تبدو أشكال أقواسه الخمسة شبيه لحد بعيد بالعمارة الرومانية في هندسة الجسور.

 بيدا أنه هناك رواية أخرى ترجئ تاريخ بنائه إلى العهد الإسلامي (العصر العباسي الأول في القرن الثامن الميلادي)، الجميع يعلم بأن أصول الكتابة والمعرفة التاريخية تعتمد على الوثيقة أساسا (هذه الوثيقة قد تكون: نص مكتوب, قطعة معدنية, بناء قديم...الخ), بدون هذه الوثيقة تصبح الكتابه في التاريخ أقرب وهي كذلك, إلى نص أدبي يحتوي على عناصر خيالية سردية بدون محتوى علمي.

لسوء الحظ, لا تحمل حجارة برا ده لال أية نقوش أو كتابات أو رموز تساعد المؤرخ و الآثاري في مهمته على تحديد و لو تقريبيا, العمر الزمني الحقيقي لبناء الجسر، وبالتالي تظل هذا النقطة محل نقاش تاريخي مستمر.

هنالك بعض الأساطير التي يتداولها الكثير من أبناء مدينة زاخو عن تاريخ جسرهم العريق و التي أصبحت من أنواع التاريخ الشفوي الأجتماعي تناقلوها خلال الأجيال المتعاقبة, بأنه في العصر العباسي كان هنالك شخص من كبار القوم يسكن في أحدى ضفتي النهر قد أحب فتاة في الضفة الأخرى, و لكي يتسنى له رؤيتها باستمرار, شرع في بناء هذا الجسر ليكون سببا في لقاء الأحبة.

أسطورة أخرى تحكي بأن المهندس المعماري بدء ببناء الجسر من خلال بناء كلا الطرفين-الضفتين أولا ثم ربطهما في المنتصف بقوس كبير. باستخدام هذه الطريقة ، كان الجسر ينهار في كل مرة قبل أن يصل المهندس للمنتصف, أستشار المهندس المعماري منجما عن هذا السر والسحر الهندسي وراء ذلك, حينذاك أخبره أنه يجب أن يقتل أول شخص يعبر النهر ويدفن الجثة في وسط الجسر حتى يستطيع أتمام البناء بنجاح، وافق المهندس على قول الساحر, في اليوم التالي، عبرت زوجة أبن المهندس التي تدعى ده لال، النهر لتحضر له الفطورعندما كان منهمكا في بناء الجسر.

فاضطر إلى تطبيق قول الساحر بقتلها كضحية لإتمام بناء الجسر, وهذا هو السبب (الأسطوري-الروائي), في أن السكان المحليين لمدينة زاخو حتى يومنا هذا يعرفون الجسر باسم برا ده لال, وهناك من يطلق عليه الجسر العباسي أيضا.

على أيه حال, هذه الأساطير تضفي علينا نوعا من أنواع تاريخ المعتقدات الإجتماعية, وهي مفيدة من هذه الناحية لمعرفة التاريخ الاجتماعي الكوردي للحياة اليومية للأناس البسطاء في مدينة زاخو التاريخية وحكايتهم على مر العصور,باعتقادي هذا النوع من التاريخ (الاجتماعي-الثقافي),هو الذي يجب أن يهتم به أكثر, لأنه التاريخ الحقيقي للناس و ليس الرسمي فقط وبهذا المنهج و التغطية نصل التاريخ الكامل.

سيظل جسر برا ده لال بقيمته التاريخية محفورا في ذاكرة أهل زاخو وستبقى جزءا لا يتجزأ من تاريخ مدينتهم القديمة, فهو ليس عبارة عن أكوام من الحجر المتناسق فقط, بل هي أفكار و أفعال وجهود ومشاعر الناس الذين بنوه وعاشروه منذ القدم, هي قطعة هندسية جميلة من وحي الطبيعة, هي علاقة الجغرافية (النهر), بالتاريخ (البناء وناس زاخو وحكايتهم عنه), هي علاقة الناس مع الطبيعة. ظل جسر برا ده لال شاهد عبور على الأعداء و الأصدقاء الذي مروا عليه, ظل شاهدا على انتصاراتهم وأفراحهم, على هزائمهم و أحزانهم, وهو بالتالي يختزل قصة تاريخ مدينة زاخو في الماضي الذي يساهم بدوره لفهم الحاضر و الاعتزاز بالهوية التاريخية لغالبية سكانها الكورد على مر العصور. وأخيرا, يساهم جسر برا ده لال في الوقت الحاضر للتعريف بماضي و تراث المدينة وينشط الحركة السياحية بماله من منفعة اقتصادية لمدينة زاخو عامة, وهي أيضا هوية ورمز تاريخي للمدينة حيث اتخذت جامعة زاخو جسر برا ده لال شعارا رسميا لها, وكذلك فعلت المجالس البلدية حيث غدا جسر برا ده لال و مدينة زاخو وجهان لعملة تاريخية وتراثية واحدة.