العمادية (آميدي): بلدة واحدة, ثلاثة أديان أعراق مختلفة..

النسخة المصغرة
الكلمات الدالة
عش التعايش السلمي على سفوح جبال مَتِين

 د. قبات شيخ نواف الجافي

تعتبر العمادية (آميدي باللغة الكوردية), بمثابة مدينة-القلعة نظرا لموقعها الجغرافي القابع على سفح جبل والتي تغدو كعش للنسور، هذا العش البشري الذي أحتضن من خلال تاريخه الطويل الممتد إلى العصور الآشورية حوالي 810 قبل الميلاد, العديد من الحضارات والديانات والأعراق المختلفة من زرداشتية, آشورية, يهودية, مسيحية و إسلامية، حيث سكنها أقوام متنوعة على مر الحقب التاريخية المختلفة, إلا أنه في الوقت الحالي, الأغلبية العظمى من سكانها هم من الكورد.

زاكروس

غدت العمادية عاصمة لإمارة بهدينان الكوردية التي نشأت في العصر العباسي (عهد المماليك), بحدود عام 1376 ميلادي, والتي استمرت لمدة خمسة قرون تقريبا، وسبب تسمية هذه الإمارة يعود نسبة إلى مؤسسها بهاء الدين شمزيني المنتمي إلى مناطق هكاري حسب بعض المصادر التاريخية.

 خلال فترة هذه الإمارة ولد أحد أعظم شعراء الكورد أحمد خاني (1651-1707), صاحب الملحمة الشعرية الخالدة: "مه م وزين"؛ تلك الملحمة التي زرعت البذرة الأولى لنشوء الفكر القومي الكوردي الحديث حسب قراءات البعض, غير أن البعض الآخر يجد في ملحمته إرسال رسائل صوفية إلى القراء من خلال الحب العذري والعشق الإلهي وأن كنت أرى شخصيا الاثنين معا.

كذلك ولد خلال فترة هذه الأمارة أول وأعظم مؤرخ كوردي بالمفهوم الحديث لعلم التاريخ, شرف خان البدليسي (1543-1603), الذي يعتبر كتابه "شرفنامه" (تاريخ الإمارات الكوردية) من أمهات الكتب (مصادر أولية), في دراسة التاريخ الكوردي.

الموقع تقع العمادية على طريق الحرير التاريخي قديما. حاليا, تقع في قضاء تابع لمحافظة دهوك – أقليم كوردستان العراق، تبعد مسافة 70 كيلومتر من شمال مدينة دهوك وتبعد مسافة 10 كيلومتر من الحدود التركية, 220 كيلومتر من العاصمة أربيل و 570 كيلومتر من بغداد. ترتفع 1400 متر عن سطح البحر, يبلغ عدد سكانها حوالي 8000 نسمة وهذا قليل نسبيا, ويعود ذلك إلى حقيقة أن البلدة غيرة قابلة للتوسع أفقيا, حيث هي حبيسة عشها وأسوارها التاريخية على قمة الجبل.

التاريخ أطلق على المدينة الكثير من التسميات على مر العصور مثل: آمات, آشب, العمادية... إلا أنه حسب المصادر التاريخية التي عثر عليها وهي عبارة عن مدونة آشورية تعود لعام 810 قبل الميلاد تؤكد على تسمية آمات وآشب.

بخصوص تسمية العمادية, يقول المؤرخ الكردي محمد أمين زكي في كتابه "خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان", يعود إلى عماد الدين الزنكي الذي هدم آماد أو آشب القديمة و بني على أنقاضها قلعته وهو ما ذكره ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" وأبن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" أيضا؛ وأن كان المستوفي القزويني في كتابه "نزهة القلوب" له رأي آخر بهذا الصدد ( هنا يكمن أهمية التعارض التاريخي بين المصادر الأولية, وهنا يأتي دور المؤرخ الحاذق لتفسير وتعليل هذا الأعتراض), وكان معظم سكانها في ذلك الوقت من عشائر الهكاري العريقة.

غدت العمادية عاصمة لإمارة بهدينان لقرون طويلة وكانت تتمتع بحكم شبه مستقل من السلطات العثمانية بعد سقوط العباسيين في بغداد.

 في هذا السياق, يشير المؤرخ العثماني أوليا جلبي في كتابه "سياحتنامه" إلى هذا الأمر بشكل قطعي عندما زار العمادية ورأها من أكثر المدن أستقلالية وقوة، حتى التعيينات الإدارية لمناطقها المختلفة كانت تتم من خلال آغا العمادية مباشرة وليس من خلال السلطان العثماني أو الوالي المقيم في بغداد، كذلك حكام زاخو ودهوك والمزوري وزيبار كانوا يحتاجون إلى الاعتراف الرسمي من آغا العمادية في حكم مناطقهم.

 إضافة إلى القوة السياسية والعسكرية, تمتعت العمادية كمركز ثقافي متميز للثقافة الكوردية في ذلك الوقت أيضا حيث برز فيها العديد من العلماء والشعراء والفقهاء أمثال مونلا شيروي والملا رمضان كردكي الذين ضاهوا أحمد خاني الآنف الذكر في أشعارهم و كتاباتهم.

 أشتهرت العمادية أيضا بكونها مركزا هاما لدراسة العلوم الدينية حيث كانت مدرسة "قوبهان" الإسلامية إبان القرن السابع عشر الميلادي تخرج المئات من الأئمة والخطباء وتمنحتهم الإجازات الشرعية وكانت على تواصل علمي وثقافي مع الجامع الأزهر في مصر.

يقول المؤرخون إن هذه المدرسة كانت في وقت من الأوقات قبلة الدارسين يقصدها الطلاب من تركيا وإيران والعراق وعموم المنطقة، ولعبت دورا كبيرا في نشر العلوم والمعرفة، حيث أولاها السلاطين الذين حكموا إمارة بادينان التاريخية اهتماما خاصا، ويقال إنها في وقت من الأوقات كانت تضاهي جامعة الأزهر، تخرج منها أجيال من العلماء الذين خدموا الدولة الإسلامية في العهد العثماني، ولعل أبرزهم أبو السعود العمادي الذي شغل منصب مفتي الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني لمدة ثلاين عاما.

يشيرالأمير المؤرخ شرف خان البدليسي في كتابه الشهير“شرفنامه” أن إمارة بادينان وعاصمتها العمادية تأسست في أواخر عهد العباسيين، وأنه كان يحكمها تيمورلنك (1336 – 1405), وابنه شاهرخ من بعده الذي أمضى أيامه الأخيرة في تلك البلدة.

ويتابع البدليسي القول لقد بقيت هذه الإمارة نتيجة صراعات أمرائها في مهب التنازع بين شاهات فارس وسلاطين العثمانيين حتى أنضمت أخيرا للدولة العثمانية وأطيح بإمارة بادينان في القرن التاسع عشر وتبعت لولاية الموصل.

العمران

 من الناحية العمرانية, تضم المدينة عدداً من الآثار التي تعود للحقبة الآشورية إضافة إلى آثار من الحقبة العربية الإسلامية حيث توجد نقوش بالخط العربي الكوفي وآيات قرآنية على بعض من أبواب المدينة كما تضم البلدة كنيسة أثرية وأنقاض كنيس يهودي. إضافة إلى ذلك توجد قلعة العمادية والتي تقع شمال غرب المدينة.

كما توجد في المدينة بقايا وآثار جامع قباد الأول بن حسين بن حسن (1633-1576) وكانت مدرسة لتدريس الدين الإسلامي تضم غرفاً لمبيت الطلبة أيضاً وسميت باسم الأمير قباد بن حسين الذي انشأها وهو أحد احفاد السلطان حسن.

وتحوي العمادية اليوم الكثير من الآثار التي تعود لحقب تاريخية متعددة، وأهمها قلعة العمادية التي تعد تحفة تاريخية قديمة، ويبرز فيها بشكل خاص باب الموصل الغربي وكانت له أهمية كبيرة، فقد كانت القوافل التجارية الخارجة من العمادية تسلك هذا الطريق متجهة إلى مدينة الموصل و باب زيبار إلى الشرق ويمتد منه طريق إلى مدينة أربيل التاريخية. وباب الباشا الذي يعلوه شعار الإمارة الذي هو شعار عائلة الباشا الحاكمة فيها حينئذ ويمتد منها طريق إلى الحدود التركية.

 في داخل القلعة يظهر جامع العمادية الكبير بمئذنته الطويلة المستدقة بتصميمها الفريد الذي بني في عهد عماد الدين زنكي مؤسس المدينة، إذ يعود تأريخ بناء المسجد إلى حوالي سنة 1142 ميلادي.

 في الوقت الحالي هنالك العديد من المعالم السياحية القريبة من العمادية كمصيف سولاف وآثار مدرسة قوبهان إضافة إلى التوسع العمراني و السكني للمناطق المحيطة بها حيث غدت مركزا للاستجمام الصيفي، كذلك أنشأت كلية التربية الأساس التابعة أداريا إلى جامعة دهوك التي يديرها الأستاذ الدكتور كارفان آميدي بمنصب عميد, لتلبية احتياجات الطلبة من العمادية ومن المناطق المجاورة وبالتالي المشاركة في النهضة التعليمية التي يشهدها إقليم كوردستان في مجال التعليم الجامعي.

 العمادية كانت ومازالت مركزا تاريخيا وثقافيا هاما للتاريخ الكوردي ومركزا للتعايش الديني والثقافي بين الديانات والثقافات المتعاقبة، وبالتالي هي تلعب دورا حضاريا بارزا في التواصل الحضاري بين الشعوب والأمم، وهي مرشحة مستقبلا لتكون ضمن لوائح اليونسكو للتراث العالمي.