أفاعي صبا

النسخة المصغرة
دقيقة الى ابعد الحدود وتبحث عن مكامن الجمال في كل شيء تقع عليه عينها

قصة بقلم الكاتبة: سوسن البياتي

الجزء الأول 

زاكروس

الخيوط الحريرية تلتف على اصابعها الدقيقة الجميلة بشكل مثير، كانت تلتقط حبة الخرز الملون بمهارة فائقة كي تنظمها بشكل فاتن على الفساتين، كأنها اصابع عازف ماهر ترقص على اوتار عود شجي، تعامل كل قطعة منها كأنها منحوتة منفردة لامثيل لها .

هكذا دأبت صبا ابنة الثامنة والعشرين عاما، فهي دقيقة الى ابعد الحدود وتبحث عن مكامن الجمال في كل شيء تقع عليه عينها، تغازل قطع الحرير وتغني للخرز الملون فتزداد تألقاً ولمعاناً.

 تراقب خالتها التي تعمل في نفس المهنة وتحلم ان يكون لها مشغلا خاصا لصنع فساتين السهرة لأنها محترفة وماهرة وافضل من كل الفتيات اللاتي يعملن في المشغل، ناهيك عن الجمال الذي خصها الله به، يبدو النبل على محياها متّشحاً بحزن كبير تخفى وراء عينين نرجسيتين واسعتين، هي ذات جسد حنطي اكتمل لياقة وانوثة، تحسب ان كل فستان تقوم بعمله هو فستانها، كم حلمت بانها سترتدي يوما مثل هذا الفستان الذي بين يديها، كيف سيتحقق ذلك وثمنه يفوق مرتبها ب١٥ ضعفا على اقل تقدي.

 احيانا تسرح بخيالها مع اسراب الامنيات فتظن انها امتلكت هذا المشغل مع كل الموظفات والخياطات والعاملات والمكائن عموما هي دوما شاردة في سماء احلام اليقظة، الآن هي ترتدي هذا الفستان الفضي بشذراته اللؤلؤية والماسية .

 يتأبطها ذاك الشاب الوسيم الذي راته مرة يقود سيارة مارسيدس سوداء حديثة فاخرة سارقاً عقلها ، هي لا تعرفه، بالكاد لمحته مرة واحدة ... لكن صورته لم تبارح خيالها قط، وبينما هي ترقص معه دخلت ابرة الخياطة في ابهامها، بدات الدماء تتساقط بغزارة على الفستان الغالي الثمن بالرغم من انها كانت تضغط على الجرح بقوة تحاول عبثا ايقافه، تلطخت ثيابها وفساتين المشغل كلها بالدم، صعدت صبا على الكرسي، بدأت الدماء تزداد ارتفاعا وبدت كأنها تريد ابتلاعها، المنظر مخيف وهي تصرخ وتصرخ ولم تتوقف عن الصراخ.

 تستيقظ صبا من نومها، الحمد لله، كان حلماً، كابوسا مزعجا وغريبا، اصبحت تتنفس بشكل سريع ، مازالت مرتعبة تنظر حولها بهلع، انها في مكتبها مستلقية على الاريكة بجانب الطاولة، ربما استسلمت للنوم من شدة التعب، اعتدلت في جلستها فرأت من خلال النافذة الكبيرة العاملات والخياطات اللواتي يعملن في مشغلها وهن يمارسن عملهن بهمة ونشاط دون تلكؤ او ملل .

هي التي اعادت الحياة الى مشغل الفساتين هذا، كانت قد ورثته من ابيها منذ ان كان عمرها ١٨ عاما، اي قبل ١٠ سنين بعد ان توفي والدها في حادث سير تاركاركينة لها شقيقين، اخ واخت اصغر منها .

كرست حياتها لتربيتهما وللعمل في دأخل المشغل، حيث كانت تقطن مع جدتها من امها فهي اخر ما تبقى لها من رائحة ابويها، استطاعت ان تقوم بالمهام على اكمل وجه.

 ساعدت اخوتها في اكمال دراستهما وتزويجهما افضل زواج، وشق كل منهما طريقه في الحياة العملية والاسرية، نظرت الى اصابع يدها الجميلة الرفيعة، لم يعد يزينها خاتم الخطوبة ذاك، تركها حبيبها نزار الذي لم يصبر لحين اكتمال رسالتها السماوية ، كان معها خطوة بخطوة عاهدها على الانتظار، لكنه استسلم لضغط اهله فخطب ابنة احد المسؤولين الرفيعين في الدولة، ربما كان هذا عذرا للرحيل لا غير، في كل الاحوال كان سيتركها، من هي امام ابنة المسؤول الذي وفر له منصبا رفيعا ومهما في الدولة ! اصبح الان من ذوي المقامات والخدم والحشم والحراسات والسيارات المصفحة، لقد احبته حبا جما، وقت الى جانبه في اوقاته العصيبة، حتى انها ساعدته ماديا عندما اراد شراء سيارته المارسيدس السوداءة، يبدو انه كان يبادلها المشاعر واكثر، كان يساعدها في تربية اخوتها وحل مشاكلهم كي يحظى بها يوما وتصبح حليلته وسيدة بيته، لكنه استسلم اخيرا لبريق المال وسطوة الجاه ورهبة الكرسي والمنصب، فتلاشت حبيبته عن ذاكرته كرغوة في زبد البحر.

 كانت تتصفح الفيس بوك بعينين حزينتين، اه انه حبيبها اليوم انتشر خبر زواجه، سيقيم مراسم العرس في صالة اكبر فنادق البلد، صرخت، لا لن تتركني، انت حبيبي انا لن اسمح بذلك، ركضت في غرفة مكتبها كالمجنونة، انقلبت المدفأة على وجهها فتصاعدت السنة اللهب لتلتهم ستائر الغرفة وما فيها .

 لم تلحظ ما حدث خلفها لأنها كانت مسرعة، ركضت بين عنابر ومكائن المشغل الذي كان فارغا بعد انتهاء ورديات العمال، تركت باب المشغل مفتوحا بعد ان قدمت للنار وجبة دسمة من حصاد سنينها العشرة.

 رن جرس الموبايل:

- اين انت؟ المشغل يحترق، التهمت النار البناء بالكامل.

 عادت مذهولة لترى كل شيء، سلب منها حبيبها تاريخها ارثها ذكرياتها، اصوات عمال الاطفاء وهم يسحبون خراطيم المياه تملأ المكان، طبعا كانوا قد وصلوا متأخرين كالعادة فألسنة النار تعانق السماء، تزداد في كل حين سعيدة بما تبتلع، صرخت صبا بعلو صوتها :

-هم من احرقوا مشغلي..

دخلت في وسط النيران وهي تصرخ وتقول :

-رجال السلطة لم يتركوا لي شيئا، سرقوا الحبيب والمشغل والذكريات والماضي والمستقبل، تبا لرجال الدولة..

 عبثا كان العمال يحاولون ثنيها عن الدخول والتوغل لقد باغتتهم على حسن غرة، النيران تحاصرها من كل اتجاه فأخذت النيران تلتهمها من كل جانب.

COVID-19
المصابين
10,820,163
الوفيات
519,274
المعافين
6,040,911
المصابين
6,403
الوفيات
214
المعافين
2,078
المصابين
51,524
الوفيات
2,050
المعافين
26,267