امرأة الجبل

النسخة المصغرة
زهرة أحمد

قصة:

 نور عينيها يشع ألقاً في أفق التحدي، تاريخ الظلم لم ينل من عزيمتها، تلألأت دموع الفرح في نظراتها وهي تغمس إصبعها بفرح في الحبر السري في إحدى الدوائر الانتخابية الخاصة بالاستفتاء، بعد أن نسي الفرح طريقه إلى القلوب الجريحة منذ أمد بعيد.

 تعجبت من إرادة تخطت حدود جسمها الضعيف، المنهك من المرض والحزن، لكنها تخفي في روحها قصصاً تسمو على التأطير، تستند في مشيتها على ابنها وحفيدها، تتسابق مع الزمن، تتقدم بشموخ بالرغم من تعرج خطواتها المتعبة، المصممة على الوصول للمبتغى، وأنا أراقب بفرح ذلك المشهد الفريد برفعته.

امرأة شامخة، قادمة من أغوار سنوات تلطخت بالاستبداد، نجت من نيران الظلم بأعجوبة، تتحدى المرض وأزمنة الحرمان، تحمل في ذاكرتها اللامنسية أبجديات التاريخ، لتقول: نعم "بلى " في الاستفتاء.  

جلست إلى جانبي على المقعد المخصص للمراقبين القانونيين، استجابة لطلبي بعد أن بدا عليها الجهد الذي حاولت أن تخفيه مكابرة وإصراراً للقيام بواجبها،  نظرت إلي بابتسامة تخفي في ثناياها روايات من الألم وقالت: " صوتت ب: بلى".

 روحها تنبض من جديد، بعد أن تجمدت فيها شرايين الحياة، رسمت خطوط التجاعيد على وجهها حكايات لم تحك بعد، تفاصيل لم تر نور الشمس وهي في طور الإشراق.

تخطيت المكان والزمان لأبحر معها في فضاءات مشرقة بنجومها، مؤلمة بأحداثها، في سيرة بطولية لامرأة عانقت أبجدية الجبل، ارتوت من حكاياته وثوراته، حضنت معه الآهات والآمال، تروي بفرح مبلل بالدموع ما لم يدونه التاريخ، وبعض الذي لم ينسج حروفه الشعراء والكتاب، وذلك رداً على استفساري حول السرِّ المخفي في قوة الإصرار في روحها، وفرحتها المبللة بالدموع، والتي لم تسجل العهود مثيلاً لها بين صفحات الخلود

تنهدت بارتياح وكأنها تنفض كل الحزن عن نفسها، وتطفئ أتون الألم في روحها: الآن سيفرح الشهداء، وسيفوح عطر دمائهم الطاهرة على الجبال وستعانق رفعة السماء، ثم بدأت بسرد لحظات لا تزال تنبض بالخلود في سيرة تطبعت بعنفوان الجبل، وأنا أستمتع بروحي لأبجدية نحتت بالدم في قلبها: أنا من منطقة بارزان، تلك الجغرافيا المعنونة بالمجد، منبع المدرسة الكوردايتية، فيها وضعت اللبنة الأولى وهنا اكتملت، في ثنايا جبالها ملاحم، وحتى أزهارها تفوح بعطر الشهداء، جدي وثلاثة من أعمامي استشهدوا في عملية الأنفال السيئة الصيت، والكثير من عائلتنا دفنوا في مقابر جماعية في مناطق نائية من العراق.

أبي وبكل فخر شهيد ثورة أيلول المجيدة، أما أخي فقد بقي خمس سنوات في سجون الاستبداد ولم يرضخ لقانون الدكتاتوريين حتى استشهد تحت التعذيب، وحتى الآن لا نعرف ماذا فعلوا بجثته !!! أكثر من عشرين شخص من عائلتي استشهدوا من أجل يوم مصيري كهذا، وأنا الآن أزف لهم نبأ عرس الاستقلال، سأزور قبورهم جميعاً وأحكي لهم عن هذا الانتصار التاريخي، عن القائد العظيم " مسعود بارزاني " الذي تحدى العالم لينعم شعبه بالحرية والسلام. قالتها ونظرات عينيها تشع كما أفق التاريخ، كأنها تقرأ صفحات لم تنل منها نتانة الزمن، شعرها الأبيض يوحي بنبل روحها ويضفي نقاءً على وجهها، وسواد ثيابها يخفي تحت عنوانها حزن الدهر.   

كنت مع زوجي في صفوف البيشمركة، أعتني بالجرحى وأنقل الأدوية والمستلزمات الطبية لهم، حفظت الجبال بين أخاديدها خطواتي، واستمعت لأنين أنفاسي، تلونت قممها بعطر دمائنا وبين صفحاتها نحتت أساطير البطولة والشهادة.   

تآمر على حريتنا حتى الأصدقاء إلا تلك الجبال الشامخة التي بقيت وفية لأحلامنا، وبقيت حضنها مأمناً لنا من طوفان الإبادات، نحتمي بها كلما فتح التاريخ سجل مآسيه.

استشهد زوجي وأنا أضمد جراحه، حضنت دماءه بروحي، وصدى آهاتي تخطت حدود السماء.

لا أنسى اليوم الذي التحقنا فيه بقوات البيشمركة، فلا تزال تفاصيله محفورة في قلبي، اليوم الوحيد الذي يشع نوراً أزلياً بين ظلمات أيامي الكالحة بالألم. بعد شهر من زواجنا كنا في أحضان الجبل، في ثنايا ثورة أضاءت دهاليز الظلم و كنست الظلام.

 سلاسل المجازر الإبادية أرهقت أرواحنا، والذي نجا من الدفن حياً في مقابر جماعية، تشرد في هجرات مليونيه، لتكون الجبال مرة أخرى وفية لنا، حمت أرواحنا المنهكة، لكن إرادتنا بقيت شامخة ولا نزال حتى اليوم نحارب الاستبدا.

البيشمركه الأبطال كانوا ولا يزالون أسطورة للفداء، بطولاتهم تسمو على الوصف وتعجز الأقلام عن ترجمة أبجديتها.

قمم الجبال تنحني أمام هامات عانقت روح الشمس، وسطرت سجل الخالدين.

 شعرت بالفخر وأنا شاهدة على ثورة انتخابية ستقرر مصير شعبي الذي عانى ولا يزال من فصول الاستبداد اللامنتهية، عانقت لحظات مشرقة مبللة بدموع الفرح ستخلد في روحي وأشعاري.  

الآن نجني ثمار تلك التضحيات، حكمة القائد الملهم وإخلاصه المطلق للقضية والشعب حمت ثوابتنا وحققت أحلامنا بالرغم من أعاصير الحرب وزوابع المؤامرات" ، قالتها بصوت مرتفع رسمت بها ابتسامة النصر على وجوه الحاضرين.

 تعجبت لامرأة كيف تملك كل تلك الذاكرة المنحوتة على قمم الجبال، وهذا الأسلوب السامي في تفاصيلها التاريخية، وكأنني أبحر بين مداد رواية عصت على التدوين في سموها ورفعتها.

 فرحت كثيراً عندما علمت بأنني قادمة من أبجدية دجلة، من ثنايا الأمل العاشق لإشراقة الحرية، قطعت كل تلك المسافات سيراً على الأقدام في تلك الجغرافية القاسية في منطقة كوجرات في الجزيرة الكوردية، وبالرغم من كل تلك المخاطر الحدودية، لأكون شاهدة على ثورة الاستفتاء كمراقبة قانونية، عندما أحست بنوع من الراحة بعد جهدها الجميل وإشراقات من سيرتها الجبلية، تنفست بحرية وقبلت جبيني وودعتني بحب، تاركة في روحي فرحة لا توصف وتاريخ خالد سيبقى مشرقا في قلبي.

ذهبت تلك المرأة الأسطورة دون أن يتسنى لي السؤال عن اسمها، لذلك سميتها " امرأة الجبل ".

زهرة أحمد